تاريخ قلعة شعار في عسير ومراحل ترميمها

تنتصب قلعة “شعار” كشاهد حي على عراقة التاريخ في منطقة عسير، ممثلةً نموذجاً فريداً للعمارة العسكرية التقليدية في المملكة العربية السعودية. لا يُعد هذا المعلم مجرد بناء حجري قديم، بل هو وثيقة تاريخية تروي قصص التحصينات الدفاعية وعبقرية الإنسان في تطويع التضاريس الجبلية الوعرة لخدمة الأمن والمراقبة في المرتفعات الجنوبية.
الموقع الاستراتيجي والجغرافيا الصعبة
تقع القلعة في موقع حيوي يُعرف بـ “باحة شعار”، على مسافة تقارب 33 كيلومتراً شمال مدينة أبها. وقد شُيدت بذكاء هندسي على مساحة شبه مستوية ترتفع ما بين 2400 و2800 متر فوق سطح البحر. وتتجلى أهمية هذا الموقع في إشرافه المباشر من الجهة الغربية على وادي “تيه”، بينما تحيط به سلاسل جبلية وتلال من الجهات الشرقية والشمالية والجنوبية، مما جعل القلعة نقطة رصد مثالية تكشف مساحات شاسعة من الجبال والسهول، وتتحكم في الممرات الطبيعية للمنطقة.
الأهمية التاريخية والربط بين السراة وتهامة
تكتسب قلعة شعار أهميتها القصوى من دورها التاريخي في حماية وتأمين طرق التجارة والتنقل. ووفقاً لما ذكره الباحث الدكتور غيثان بن جريس في كتابه “أبها … حاضرة عسير” (2009م)، فإن تاريخ بناء القلعة يعود إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري، مع استمرار أعمال التوسعة والتحصين حتى بدايات القرن الرابع عشر الهجري. كانت القلعة بمثابة الحارس الأمين لـ “عقبة شعار” (المعروفة قديماً بعقبة تيه)، وهي الشريان الحيوي الذي يربط بين مرتفعات السراة وسهول تهامة، مما جعلها محطة محورية للتحكم في حركة المارة والقوافل وتأمين الطرق الجبلية الوعرة.
الطراز المعماري والهندسة الدفاعية
تتميز القلعة بتصميم هندسي يراعي الطبيعة الطبوغرافية للمكان، حيث تتكون من مجموعة مبانٍ حجرية متجاورة شُيدت باستخدام الحجارة المحلية الصلبة الممزوجة بالطين الكلسي، مما منحها صلابة استثنائية لمقاومة عوامل التعرية والزمن. تضم القلعة أبراج مراقبة شاهقة، وساحات فسيحة كانت تُخصص لتدريب الحاميات العسكرية، بالإضافة إلى غرف داخلية مزودة بنوافذ ضيقة (مزاغل) صممت خصيصاً لأغراض الرماية والدفاع والمراقبة، مما يعكس الفكر العسكري المتقدم في تلك الحقبة.
مشروع الترميم وإحياء التراث الوطني
في إطار جهود المملكة للحفاظ على هويتها الثقافية، تقود هيئة التراث مشروعاً طموحاً لترميم وتأهيل موقع قلعة شعار. يهدف المشروع إلى معالجة الأضرار التي لحقت بالمباني والأبراج الحجرية، وإعادة تأهيل الممرات والساحات الداخلية، مع تحسين البنية التحتية للموقع ليكون جاهزاً لاستقبال الزوار. يأتي هذا التحرك ضمن استراتيجية وطنية شاملة للعناية بالمواقع الأثرية القابلة للزيارة، مما يسهم في تعزيز السياحة الثقافية في منطقة عسير، ويربط الأجيال الجديدة بتاريخهم العريق، محولاً القلعة من مجرد أثر صامت إلى وجهة سياحية وثقافية نابضة بالحياة.



