سر برودة رخام المطاف في الحرم المكي رغم حرارة الشمس

يُثير اعتدال درجة حرارة أرضيات صحن المطاف في المسجد الحرام دهشة ملايين المعتمرين والحجاج، الذين يطوفون حول الكعبة المشرفة حفاة الأقدام في عز الظهيرة، ورغم تساقط أشعة الشمس العمودية الحارقة في مكة المكرمة، تظل هذه الأرضيات باردة ومنعشة، مما يطرح تساؤلات دائمة حول السر الكامن وراء هذه الظاهرة الفريدة التي تجمع بين جيولوجيا الطبيعة والهندسة الدقيقة.
خصائص رخام "التاسوس" اليوناني
يكمن السر الرئيسي في نوعية الرخام المستخدم، وهو رخام "التاسوس" (Thassos) النادر، الذي يتم استيراده خصيصاً للحرم المكي من جزيرة تاسوس في اليونان. يتميز هذا النوع بخصائص فيزيائية استثنائية، أبرزها لونه الأبيض الناصع وبنيته البلورية الدقيقة التي تعمل كمرآة طبيعية عاكسة للضوء والحرارة. وعلى عكس أنواع الجرانيت والرخام الأخرى التي تمتص الحرارة وتخزنها، يمتلك رخام التاسوس مسامية منخفضة للغاية وكثافة عالية تمنع امتصاص أشعة الشمس، مما يبقي سطحه بارداً حتى في درجات الحرارة التي تتجاوز 45 درجة مئوية.
هندسة التركيب وتقنيات العزل
لا يقتصر الأمر على نوع الحجر فحسب، بل تلعب التقنية الهندسية المتبعة في تركيبه دوراً حاسماً. تعتمد الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي معايير صارمة، حيث يصل سُمك قطعة الرخام الواحدة إلى 5 سنتيمترات، وهو سُمك يتجاوز المعدلات الطبيعية في البناء، مما يعزز من خاصية العزل الحراري. بالإضافة إلى ذلك، يتم تركيب الرخام بطرق فنية تضمن وجود فراغات دقيقة وتوازن يمنع انتقال الحرارة من التربة السفلية إلى السطح، مما يضمن كفاءة التبريد الطبيعي طوال ساعات النهار.
الرعاية السعودية بضيوف الرحمن
يأتي استخدام هذا النوع الفاخر والمكلف من الرخام ضمن سياق تاريخي طويل من العناية السعودية بالحرمين الشريفين. فقد بدأت المملكة في استيراد هذا الرخام منذ عقود ضمن مشاريع التوسعة السعودية الكبرى، بهدف توفير أقصى درجات الراحة للطائفين والمصلين. وتعتبر هذه الخطوة جزءاً من منظومة خدمات متكاملة تهدف إلى تيسير أداء المناسك، حيث يساهم برودة المطاف في حماية الحجاج من الحروق والإجهاد الحراري، مما يمكنهم من أداء شعائرهم بخشوع وطمأنينة في مختلف الظروف المناخية.
الأثر الصحي والبيئي
لهذه التقنية أثر صحي بالغ الأهمية، حيث يقي برودة الرخام أقدام الطائفين من التقرحات والمشاكل الصحية التي قد تنجم عن المشي على أسطح ساخنة لمسافات طويلة. ويُعد صحن المطاف بذلك بيئة آمنة صحياً، تعكس التزام الجهات المعنية بتسخير أفضل الإمكانات المادية والتقنية لخدمة قاصدي بيت الله الحرام، ليظل هذا الصرح الإسلامي الكبير منارة للسكينة والراحة.



