أسلوب حياة

اضطرابات الأكل في رمضان: دليل الوعي الأسري ودعم التعافي

مقدمة: رمضان بين الروحانية وتحديات الصحة النفسية

مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجه الأنظار إلى الأبعاد الروحانية والاجتماعية للصيام، لكنه يمثل في الوقت ذاته تحديًا نفسيًا وصحيًا كبيرًا للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل. أكد مختصون في التغذية والصحة النفسية أن التغيرات الجذرية في أنماط الأكل والتركيز المجتمعي على موائد الإفطار والسحور قد تؤدي إلى تفاقم هذه الحالات المعقدة. وشددوا على أن اضطرابات الأكل ليست ضعفًا في الإرادة، بل هي معركة نفسية عميقة تتطلب وعيًا أسريًا ودعمًا متخصصًا لتحويل هذا الشهر الفضيل إلى فرصة للتعافي بدلاً من أن يكون محفزًا للانتكاس.

فهم اضطرابات الأكل: سياق أوسع للمشكلة

تُعرَّف اضطرابات الأكل بأنها حالات نفسية خطيرة تتسم بسلوكيات أكل غير صحية تؤثر سلبًا على الصحة الجسدية والنفسية للفرد. ومن أبرز أنواعها الشائعة:

  • فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa): يتميز بالخوف الشديد من زيادة الوزن وتقييد السعرات الحرارية بشكل مفرط، مما يؤدي إلى نقص حاد في الوزن.
  • الشره المرضي العصبي (Bulimia Nervosa): يتضمن نوبات من الأكل بشراهة تتبعها سلوكيات تعويضية قهرية مثل التقيؤ المتعمد أو الإفراط في ممارسة الرياضة.
  • اضطراب نهم الطعام (Binge Eating Disorder): يتسم بنوبات متكررة من تناول كميات كبيرة من الطعام مع الشعور بفقدان السيطرة، دون اللجوء إلى سلوكيات تعويضية.

وأوضحت د. سارة سمير عقاد، استشاري الغذاء والتغذية، أن هذه الحالات تنشأ من تداخل عوامل نفسية واجتماعية وبيولوجية، مؤكدة أن الدعم الأسري والمجتمعي يلعب دورًا محوريًا في الاكتشاف المبكر والعلاج.

تأثير رمضان على المصابين باضطرابات الأكل

يمكن أن يكون شهر رمضان محفزًا قويًا لمن يعانون من هذه الاضطرابات. فالصيام لساعات طويلة قد يُنظر إليه من قبل المصاب بفقدان الشهية على أنه فرصة “شرعية” لتقييد الطعام، بينما قد تؤدي وجبات الإفطار الكبيرة والتجمعات العائلية إلى إثارة نوبات من الشره المرضي أو نهم الطعام، يتبعها شعور طاغٍ بالذنب والعار. هذا التناقض بين الامتناع والإفراط يخلق دائرة مفرغة من التوتر النفسي الذي يصعب كسره دون مساعدة متخصصة.

دور الأسرة والمجتمع: خط الدفاع الأول

أجمعت كل من الباحثة دانيا الغامدي، المتخصصة في علوم الغذاء، واستشارية التغذية الإكلينيكية د. شوق العشملي، على أن دور الأسرة والمدرسة هو حجر الزاوية في الوقاية والعلاج. يجب على الأهل والمربين ملاحظة العلامات المبكرة مثل الهوس بالوزن، اتباع حميات قاسية، الأكل سرًا، تقلبات المزاج الحادة، وتجنب التعليقات السلبية حول شكل الجسم أو الوزن. إن خلق بيئة داعمة وغير قائمة على الأحكام يشجع المصابين على طلب المساعدة. وأضافت الغامدي أن الضغوط الاجتماعية ومعايير الجمال غير الواقعية التي تروج لها وسائل التواصل الاجتماعي تساهم بشكل كبير في تفاقم المشكلة، خاصة بين المراهقين.

نحو التعافي: استراتيجيات الدعم والعلاج

يتطلب التعافي من اضطرابات الأكل تدخلًا متكاملًا من فريق طبي يضم طبيبًا وأخصائيًا نفسيًا وأخصائي تغذية. يركز العلاج على الجوانب النفسية والجسدية معًا. وأشارت د. سارة عقاد إلى أهمية مفهوم “الأكل الحدسي” (Intuitive Eating)، الذي لا يعتبر نظامًا غذائيًا، بل رحلة لإعادة بناء علاقة صحية مع الطعام من خلال الاستماع لإشارات الجوع والشبع الطبيعية للجسم. يمكن استغلال روحانية رمضان لتعزيز قيم الاعتدال والرحمة بالجسد، مع ضرورة المتابعة مع مختصين لوضع خطة غذائية ونفسية تتناسب مع طبيعة الصيام وتساعد على تجنب المحفزات. إن التدخل المبكر يزيد من فرص الشفاء الكامل ويقلل من المضاعفات الصحية الخطيرة.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى