السعودية: ضوابط صارمة لتجميد أموال الإرهاب بالصناديق العائلية

في خطوة حاسمة تعكس التزام المملكة العربية السعودية الراسخ بالمعايير الدولية للشفافية المالية، أصدر المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي دليلاً استرشادياً ملزماً لكافة المنظمات غير الربحية في المملكة. يهدف هذا الدليل إلى وضع آليات دقيقة وصارمة لتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي واللجنة الوطنية المتعلقة بمكافحة الإرهاب وتمويله، مما يمثل نقلة نوعية في حوكمة العمل الخيري والأهلي.
شمولية الرقابة: من الجمعيات الكبرى إلى الصناديق العائلية
يأتي هذا التحرك الجديد لسد أي ثغرات قد تستغلها التنظيمات المشبوهة، حيث وسّع الدليل نطاقه الإلزامي ليشمل كافة مكونات القطاع غير الربحي بلا استثناء. فلم يعد الأمر مقتصراً على الجمعيات والمؤسسات الأهلية الكبرى، بل امتد ليشمل "الصناديق العائلية" والصناديق الأهلية الخاضعة لإشراف المركز. هذا التوسع يضع شريحة واسعة من مؤسسات المجتمع المدني أمام مسؤوليات قانونية وأمنية مباشرة، لضمان عدم استغلال أي قناة مالية، مهما صغر حجمها، في أنشطة غير مشروعة.
السياق الدولي والالتزام بمعايير مجلس الأمن
تأتي هذه الإجراءات في سياق الجهود المستمرة التي تبذلها المملكة لتعزيز مكانتها كشريك دولي موثوق في مكافحة الإرهاب المالي. ويستند الدليل الجديد إلى المراسيم الملكية الخاصة بمكافحة جرائم الإرهاب وتمويله، ونظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، بالإضافة إلى قرارات اللجنة الدائمة لمكافحة الإرهاب. ويهدف هذا التناغم التشريعي إلى ضمان بيئة عمل خيري آمنة وممتثلة لأعلى المعايير الدولية، لا سيما توصيات مجموعة العمل المالي (FATF)، مما يعزز الثقة العالمية في النظام المالي والمصرفي السعودي.
آلية ”التجميد الفوري“: ساعات حاسمة دون إنذار
شدد الدليل على عنصر السرعة كعامل حاسم في فاعلية العقوبات، حيث ألزم المنظمات بتنفيذ إجراءات تجميد الأموال والأصول ”دون تأخير“، وتحديداً في غضون ساعات قليلة من صدور قرارات الإدراج على قوائم العقوبات. وأكدت التعليمات ضرورة تنفيذ التجميد ”دون سابق إنذار“ للكيانات المستهدفة، وذلك لمنع أي محاولة لتهريب الأصول أو إخفائها. وتستهدف هذه الإجراءات بشكل خاص تنظيمات مثل ”داعش“ و”القاعدة“ والمنتمين لحركة طالبان، بالإضافة إلى القائمة الوطنية الموحدة (1373) التي تصدرها رئاسة أمن الدولة.
حماية القطاع الخيري وتعزيز الشفافية
لا تقتصر أهمية هذا الدليل على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لحماية سمعة القطاع غير الربحي السعودي. فمن خلال إلزام الجمعيات والمؤسسات بمتابعة القوائم الموحدة لمجلس الأمن واللجنة الوطنية بشكل يومي، يضمن المركز الوطني حماية أموال المتبرعين ووصولها إلى مستحقيها الفعليين، بعيداً عن أي شبهات. كما حذر الدليل من أن أي تهاون أو تأخير في التنفيذ سيعرض المنظمة أو الأفراد المقصرين للمساءلة القانونية الصارمة، مع التأكيد في الوقت ذاته على سرية المعلومات المتبادلة وحماية البيانات.
وختاماً، أتاح الدليل للمنظمات الراغبة في تعزيز امتثالها إمكانية طلب مساعدة فنية وبرامج لبناء القدرات من اللجنة الدائمة لمكافحة الإرهاب وتمويله، مما يؤكد نهج المملكة في الجمع بين الحزم الرقابي والتطوير المؤسسي لضمان قطاع غير ربحي فاعل وآمن.


