السياسة الوطنية للغة العربية في السعودية: 8 مبادئ لتعزيز الهوية

في خطوة استراتيجية تعكس عمق الارتباط بالجذور التاريخية والحضارية، وافق مجلس الوزراء السعودي على اعتماد "السياسة الوطنية للغة العربية"، والتي تمثل خارطة طريق شاملة لتعزيز حضور لغة الضاد في مختلف مفاصل الدولة والمجتمع. يأتي هذا القرار ليؤكد الدور الريادي للمملكة العربية السعودية بصفتها موطن العرب الأول وحاضنة الحرمين الشريفين، مما يجعلها المرجع العالمي الأول للغة العربية.
أبعاد استراتيجية ورؤية مستقبلية
لا ينفصل هذا القرار عن سياق "رؤية المملكة 2030" التي تضع تعزيز الهوية الوطنية والإسلامية في صلب مستهدفاتها. فاللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي وعاء الثقافة، وذاكرة الأمة، والركيزة الأساسية للأمن الثقافي والسيادة الوطنية. ومن هذا المنطلق، تسعى السياسة الجديدة إلى مواءمة الحراك التنموي المتسارع الذي تشهده المملكة مع الحفاظ على اللسان العربي المبين، ليكون مواكباً لعلوم العصر وتقنياته، وليس مجرد إرث تاريخي.
المبادئ الثمانية: خريطة طريق لتمكين الضاد
ترتكز السياسة الوطنية المعتمدة على ثمانية مبادئ أساسية تضمن التمكين الكامل للغة العربية في الحياة العامة:
- السيادة واللغة الرسمية: التأكيد على إلزامية استخدام العربية في كافة الجهات الحكومية والقطاع الخاص، لتكون لغة التواصل الأولى والأساسية.
- محورية التعليم: اعتماد العربية لغةً للتدريس في جميع المراحل التعليمية، لضمان تنشئة أجيال تعتز بهويتها وتمتلك ناصية لغتها، مع الانفتاح على اللغات الأخرى.
- الفضاء العام: تعريب اللوحات الإعلانية، والتجارية، وأسماء الأماكن، والشوارع، ليعكس المشهد الحضري الهوية العربية للمملكة.
- البحث العلمي والمعرفي: تشجيع النشر العلمي بالعربية ودعم الترجمة والتعريب في الجامعات ومراكز الأبحاث.
- الإعلام والمحتوى الرقمي: رفع جودة المحتوى العربي في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وضمان سلامة اللغة المستخدمة.
- الاقتصاد واللغة: تحويل اللغة إلى رافد اقتصادي من خلال صناعة المحتوى، والتعليم، والتقنيات اللغوية.
- الدبلوماسية والعلاقات الدولية: استخدام العربية في المحافل الدولية والمخاطبات الرسمية لتعزيز مكانتها بين لغات العالم الحية.
- الثقافة والفنون: دعم الإنتاج الأدبي والفني الذي يبرز جماليات اللغة العربية وثرائها.
اللغة كأداة للقوة الناعمة والدبلوماسية
تتجاوز أهمية هذه السياسة الحدود المحلية لتصل إلى البعد الدولي؛ حيث تهدف المملكة إلى ترسيخ حضور اللغة العربية في المنظمات الدولية والمؤتمرات العالمية. يُعد هذا التوجه جزءاً من استثمار المملكة في "القوة الناعمة"، حيث تمثل اللغة جسراً للتواصل الحضاري وأداة للتأثير الثقافي. ومن خلال إلزامية استخدام العربية في المخاطبات الدولية وتوفير الترجمة عند الحاجة، تؤكد المملكة اعتزازها بلغتها وتفرض احترامها في الأوساط الدبلوماسية العالمية.
ختاماً، تمثل السياسة الوطنية للغة العربية نقلة نوعية من مرحلة "الحفاظ" التقليدية إلى مرحلة "التمكين والتطوير"، بما يضمن للغة العربية حيويتها وقدرتها على استيعاب مستجدات العصر، ولتظل مكوناً رئيساً للهوية السعودية الراسخة.



