السعودية تقفز للمركز 23 عالمياً في جاذبية الاستثمار التعديني

شهد قطاع التعدين في المملكة العربية السعودية تحولاً جذرياً وتاريخياً، حيث أكد نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين، المهندس خالد بن صالح المديفر، أن المملكة نجحت في القفز إلى صدارة المشهد التعديني العالمي. وقد تجلى هذا النجاح في تقدم المملكة الملحوظ في مؤشر جاذبية الاستثمار التعديني ضمن تقرير المسح السنوي لشركات التعدين الصادر عن معهد فريزر الكندي لعام 2024.
وأوضح المديفر أن المملكة انتقلت من كونها وجهة ذات جاذبية محدودة للاستثمار التعديني، حيث كانت تقبع في المركز 104 عالمياً في عام 2013، لتصبح اليوم في مصاف الدول الأكثر جذباً للاستثمارات في هذا القطاع الحيوي، محتلة المركز 23 على مستوى العالم. ويأتي هذا الإنجاز ليرسخ مكانة التعدين كركيزة ثالثة للصناعة الوطنية، جنباً إلى جنب مع النفط والبتروكيماويات، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الطموحة.
سياق التحول وأهمية الدرع العربي
لفهم هذا التحول، يجب النظر إلى الخلفية الجيولوجية والاقتصادية للمملكة. فالمملكة تمتلك ثروات معدنية هائلة تقدر قيمتها بنحو 5 تريليونات ريال (1.3 تريليون دولار)، تتركز بشكل كبير في منطقة “الدرع العربي”. وقد جاءت الاستراتيجية الشاملة للتعدين لتفعيل استغلال هذه الموارد غير المستغلة سابقاً، بهدف تنويع مصادر الدخل القومي وتقليل الاعتماد على النفط، مما يعزز من متانة الاقتصاد السعودي ويخلق فرص عمل جديدة للشباب.
الطلب العالمي والمعادن الحرجة
خلال مشاركته في جلسة حوارية بعنوان “سباق الزمن: ضمان توفر المعادن وخلق أسواق جديدة”، ضمن مؤتمر التعدين الدولي، تطرق المديفر إلى التحديات العالمية الراهنة. وأشار إلى أن العالم لم يعد بحاجة فقط للمعادن التقليدية كالألومنيوم والحديد، بل بات في أمس الحاجة للمعادن المتخصصة والنادرة مثل الليثيوم، التنجستن، والجاليوم. هذه العناصر، رغم ضآلة كميات الطلب عليها مقارنة بالسلع الأساسية، تعد عصب الصناعات الحديثة، فلا يمكن إنتاج السيارات الكهربائية، الطائرات المسيرة، أو الرقائق الإلكترونية بدونها.
دور الحكومة في تقليل المخاطر
ونظراً لتقلبات الأسعار وصغر حجم سوق هذه المعادن الدقيقة، أكد معاليه أن الاستثمار فيها يحمل مخاطر عالية للقطاع الخاص. وهنا يأتي الدور المحوري للحكومات، ليس فقط عبر توفير البنية التحتية من طاقة ومياه، بل من خلال أدوات مالية وتشريعية مبتكرة. وقد ضرب مثالاً بـ “البرنامج الوطني للمعادن” الذي اعتمدته المملكة للتحوط ضد المخاطر وضمان استمرارية سلاسل الإمداد.
أرقام قياسية في الاستكشاف
واستعرض المديفر بلغة الأرقام جدية المملكة في هذا الملف، كاشفاً عن تضاعف الإنفاق على الاستكشاف التعديني خمس مرات خلال السنوات الخمس الماضية. فقد ارتفع الإنفاق من أقل من 105 ريالات للكيلومتر المربع في عام 2020 إلى نحو 539 ريالاً في عام 2024، وهو معدل يتجاوز المستهدفات التي كانت مقررة لعام 2025، مما يعكس تسارع وتيرة العمل.
واختتم نائب الوزير حديثه بالتأكيد على أن استراتيجية التعدين لا تقتصر على الاستخراج فحسب، بل تهدف لبناء منظومة متكاملة تشمل توطين المعرفة والابتكار، داعياً العالم للشراكة مع المملكة التي تطمح لتكون مركزاً عالمياً لتقنيات التعدين ورأس المال الجريء، مستفيدة من تجربتها الناجحة في بناء قطاعي النفط والبتروكيماويات.



