العرض الوظيفي في السعودية: حكم قضائي يرفض تعويض مرشح

في حكم قضائي بارز يرسخ المبادئ القانونية المنظمة لسوق العمل السعودي، أصدرت محكمة الاستئناف العمالية حكماً نهائياً يؤيد قرار المحكمة الابتدائية برفض دعوى تعويض رفعها مرشح لوظيفة ضد شركة خاصة، بعد تراجعها عن توظيفه رغم تقديمه “عرضاً وظيفياً” له. وأكد الحكم أن العلاقة التعاقدية لا تنشأ بمجرد العرض الوظيفي، بل تتطلب إبرام عقد عمل مكتمل الأركان ومباشرة فعلية للمهام الوظيفية.
وتعود تفاصيل القضية إلى تقدم أحد المرشحين بدعوى قضائية ضد شركة خاصة، طالب فيها بتعويضات مالية استناداً إلى المادة السابعة والسبعين من نظام العمل السعودي، بالإضافة إلى تعويض عن رصيد إجازاته المفترض. وزعم المدعي أن الشركة أنهت العلاقة التعاقدية بشكل غير مشروع قبل أن يبدأ عمله في وظيفة “أخصائي موارد بشرية وعلاقات عامة”، معتبراً العرض الوظيفي بمثابة عقد ملزم. إلا أن الشركة دفعت بعدم قيام أي علاقة عمل من الأساس، كون المرشح لم يوقع عقداً رسمياً ولم يباشر مهامه.
السياق القانوني وأهمية نظام العمل السعودي
يأتي هذا الحكم في سياق الجهود المستمرة التي تبذلها المملكة العربية السعودية، ممثلة في وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، لتطوير البيئة التشريعية لسوق العمل بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030. يهدف نظام العمل السعودي إلى تنظيم العلاقات بين أصحاب العمل والعمال بما يضمن حقوق الطرفين ويحقق العدالة والاستقرار، وهو ما يعزز من جاذبية السوق السعودي للاستثمارات المحلية والأجنبية. وتعتبر المحاكم العمالية، التي تم إطلاقها في عام 2018، ركيزة أساسية في هذا النظام، حيث تختص بالنظر في جميع المنازعات المتعلقة بعقود العمل والأجور وحقوق الطرفين، مما يضمن تطبيق القانون بشفافية وسرعة.
دلالات الحكم وتأثيره على سوق العمل
يحمل هذا الحكم أهمية بالغة كونه يضع حداً فاصلاً وواضحاً بين مرحلة المفاوضات والترشيح (التي يمثلها العرض الوظيفي) ومرحلة العلاقة التعاقدية الفعلية. فالعرض الوظيفي، كما فسره الحكم، هو خطوة تمهيدية تعبر عن نية صاحب العمل في التوظيف، ولكنه لا يرقى لمرتبة عقد العمل الملزم الذي تنشأ عنه حقوق والتزامات عمالية مثل الأجر، الإجازات، ومكافأة نهاية الخدمة.
واستندت المحكمة في قرارها إلى عدم اكتمال أركان العقد، وأبرزها عدم مباشرة العمل فعلياً، وهو ما يسقط أي مطالبة بتعويضات خاصة بإنهاء الخدمة. وقد قبلت محكمة الاستئناف اعتراض المدعي شكلاً، لكنها رفضته موضوعاً، مؤكدةً سلامة الحكم الابتدائي وصحة الأسباب التي بُني عليها. ويُعد هذا القرار سابقة قضائية هامة تساهم في زيادة الوعي القانوني لدى كل من الباحثين عن عمل وأصحاب العمل:
- بالنسبة للباحثين عن عمل: يؤكد الحكم على ضرورة عدم اتخاذ قرارات مصيرية، مثل الاستقالة من وظيفة حالية، بناءً على عرض وظيفي فقط، والتريث حتى توقيع عقد العمل الرسمي والملزم.
- بالنسبة لأصحاب العمل: يوفر الحكم مرونة في عملية الاختيار والتوظيف، مع التأكيد على أهمية وضوح الإجراءات التعاقدية وإتمامها بشكل رسمي لحماية حقوق المنشأة.
في المحصلة، يعزز هذا الحكم مبدأ اليقين القانوني في سوق العمل، ويوضح أن الحماية التي يوفرها نظام العمل تبدأ من لحظة تفعيل العقد وبدء العامل في أداء مهامه، وليس من مرحلة الوعود أو العروض المبدئية.



