ابتكار سعودي جديد يرفع كفاءة تحلية المياه في السعودية

في إنجاز علمي جديد يرسخ ريادة المملكة في قطاع البيئة والمياه، نجح فريق بحثي في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية “كاكست” في تطوير أغشية تناضح عكسي عالية الجودة ومصنعة محلياً. يأتي هذا الابتكار ليمثل نقلة نوعية تدعم منظومة تحلية المياه في السعودية، ويسهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن المائي الوطني ورفع نسبة المحتوى المحلي في الصناعات الحيوية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية.
تاريخ ريادة تحلية المياه في السعودية والتحول نحو التوطين
تاريخياً، واجهت المملكة العربية السعودية تحديات جغرافية ومناخية كبيرة نظراً لشح موارد المياه العذبة الطبيعية. ومنذ عقود، اتجهت الدولة نحو الاستثمار الضخم في تقنيات معالجة مياه البحر لتلبية الطلب المتزايد للسكان والأنشطة التنموية. واليوم، تعد المملكة أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم. ومع ذلك، كان الاعتماد كبيراً على استيراد التقنيات والأغشية من الخارج. ويأتي هذا الابتكار المحلي ليمثل نقطة تحول تاريخية، حيث يسهم في نقل المعرفة وتوطين صناعة الأغشية المتطورة محلياً، مما يقلل الاعتماد على الواردات الأجنبية ويؤمن سلاسل الإمداد الحيوية.
تفاصيل الابتكار العلمي ونتائج التجارب المخبرية
خلال مراحل المشروع البحثي، نفذ الفريق العلمي في المختبر الوطني بـ “كاكست” سلسلة من التجارب المخبرية الدقيقة لتطوير أغشية متعددة الطبقات وتحسين خصائصها الفيزيائية والكيميائية. وشملت هذه التجارب تصنيع أكثر من 70 غشاءً متعدد الطبقات واختبار كفاءتها في فصل الأملاح والملوثات وتحسين تدفق المياه.
وقد حقق الغشاء المطور نتائج استثنائية، حيث بلغت نسبة فصل الأملاح 96%، مع معدل تدفق للمياه وصل إلى 1.6 لتر لكل متر مربع في الساعة تحت الظروف المخبرية. ولحماية هذا الإنجاز الوطني وتأكيد قيمته الصناعية، تم توثيق الابتكار عبر إصدار سر تجاري لتركيبة الغشاء المطور، مما يمهد الطريق لتطبيقه على نطاق تجاري واسع. وتعتبر تقنية التناضح العكسي المستخدمة في هذا الابتكار من أكثر التقنيات كفاءة وانتشاراً عالمياً، حيث تعتمد على أغشية شبه منفذة تمنع مرور الأملاح والشوائب تحت تأثير ضغط عالٍ.
الأثر الاستراتيجي للابتكار محلياً ودولياً
لا تقتصر أهمية هذا الإنجاز على الجانب العلمي الفني فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية. محلياً، يسهم المشروع في بناء قدرات وطنية مؤهلة وتدريب الكفاءات السعودية في المجالات الهندسية والتقنية المتقدمة المرتبطة بقطاع المياه. كما يدعم سلاسل الإمداد المحلية ويقلل من تكاليف إنتاج المياه المحلاة على المدى الطويل.
إقليمياً ودولياً، يعزز هذا الابتكار مكانة المملكة كمركز عالمي رائد لتطوير تقنيات المياه المستدامة، ويقدم نموذجاً يحتذى به للدول التي تعاني من الإجهاد المائي. ويسعى الفريق البحثي في المرحلة المقبلة إلى رفع مستوى الجاهزية التقنية عبر محاكاة بيئات التشغيل الحقيقية وإنشاء خطوط إنتاج صناعية، مما يفتح آفاقاً واعدة للاستثمار والشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص لتسويق وتوطين هذه التقنية بالكامل.



