الحرف اليدوية في المدارس السعودية: دليل شامل لترسيخ الهوية

في خطوة استراتيجية غير مسبوقة تهدف إلى تعزيز الانتماء الوطني وربط الأجيال الناشئة بجذورهم الثقافية، أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن إطلاق «دليل أنشطة الحرف اليدوية». يمثل هذا المشروع الطموح نقطة تحول في المنظومة التعليمية، حيث يدمج 11 حرفة تقليدية أصيلة ضمن الأنشطة اللاصفية في المدارس، وذلك تزامناً مع التحضيرات الكبرى لمبادرة «عام الحرف اليدوية 2025».
السياق التاريخي: التراث كركيزة للهوية الوطنية
تتمتع المملكة العربية السعودية بإرث حضاري ضارب في القدم، حيث شكلت الحرف اليدوية عبر التاريخ عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكان الجزيرة العربية. لم تكن هذه الحرف مجرد هوايات، بل كانت ضرورة للبقاء تعكس عبقرية الإنسان السعودي في تطويع موارد بيئته؛ سواء كان ذلك عبر استغلال سعف النخيل في الواحات، أو تشكيل الصخور في المناطق الجبلية، أو غزل الصوف في البادية. وتأتي هذه الخطوة التعليمية لتعيد الاعتبار لهذا التاريخ العريق، محولةً إياه من مقتنيات في المتاحف إلى مهارات حية تُمارس بأيدي الطلاب.
تفاصيل الدليل: 11 مساراً يحاكي جغرافية المملكة
يتميز الدليل الجديد بشموليته الجغرافية والفنية، حيث تم تصميمه ليغطي كافة مناطق المملكة عبر 11 مساراً حرفياً رئيسياً، مما يضمن تمثيل التنوع الثقافي السعودي. وتشمل هذه المسارات:
- فنون العمارة والبناء: تعليم أساسيات البناء التقليدي بالطين والحجر، وهي تقنيات ميزت العمارة في نجد والمنطقة الجنوبية.
- الصناعات التحويلية الدقيقة: وتشمل فنون الدباغة ومعالجة الجلود، وصناعة الفخار، وتقنيات الطرق على المعادن وتشكيلها.
- استدامة الموارد الطبيعية: التركيز على الحرف المعتمدة على النخيل (الخوص)، وأعمال النجارة التقليدية التي اشتهرت بها المناطق الساحلية والزراعية.
- الفنون الجمالية والتزيينية: وتتضمن مهارات التطريز الدقيق، وفنون التجليد والتذهيب للمخطوطات، وصناعة الحلي والمجوهرات التقليدية، إضافة إلى فنون النسيج وحياكة السدو المسجلة عالمياً ضمن التراث غير المادي.
الأبعاد التربوية والاقتصادية لرؤية 2030
تتجاوز هذه المبادرة البعد التعليمي المباشر لتصب في جوهر مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وتنمية القطاع الثقافي. فمن الناحية التربوية، يعزز برنامج «يوم الحرف» المهارات الحركية الدقيقة للطلاب، وينمي قيم الصبر والإتقان، ويحفز التفكير الإبداعي لدمج الأصالة بالمعاصرة. أما اقتصادياً، فإن غرس حب الحرف اليدوية في سن مبكرة يمهد الطريق لظهور جيل جديد من الحرفيين ورواد الأعمال المبدعين، مما يساهم في تعزيز الاقتصاد الإبداعي، ورفد السوق بمنتجات سعودية ذات طابع عالمي، تساهم في دعم السياحة الثقافية وترسيخ مكانة المملكة كوجهة تراثية عالمية.



