أمينة العنزي: قصة صقارة سعودية من الهواية إلى الاحتراف

في تجربة ملهمة تجسد عمق ارتباط الإنسان السعودي بتراثه العريق، وثّقت الصقّارة أمينة العنزي، ابنة منطقة الحدود الشمالية، فصول رحلتها المتميزة في عالم تربية وتدريب الصقور. هذه الرحلة التي بدأت كشغف طفولي بريء، تحولت بمرور الوقت إلى ممارسة احترافية قائمة على أسس التعلم المستمر، الصبر، والتدرج في اكتساب المهارات، لتعكس بذلك صورة حية عن تمسك الأجيال الجديدة بأحد أهم ألوان الإرث الوطني للمملكة العربية السعودية.
شغف مبكر وتحدي المخاوف
أوضحت العنزي أن شرارة شغفها بعالم الصقور انطلقت قبل عدة سنوات، وتحديداً منذ نعومة أظفارها حين كانت تتابع بشغف عروض الصقور في المهرجانات التراثية. هذا الانجذاب تحول إلى واقع ملموس بعد اقتنائها أول طير خاص بها، لتبدأ رحلة التعلم خطوة بخطوة. وأشارت إلى أن البدايات لم تكن مفروشة بالورود، حيث سيطرت عليها مشاعر الخوف، لا سيما القلق من فقدان الطير أو عدم عودته أثناء التدريب، إلا أن الإصرار والالتزام بالتدريب اليومي كانا كفيلين بكسر حاجز الخوف وبناء الثقة.
فنون التدريب وعلاقة الصداقة
وبينت الصقارة السعودية أن إتقان التعامل مع الجوارح ليس أمراً هيناً ولا وليد اللحظة، بل يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين. وسلطت الضوء على مرحلة تعلم “الملواح” (التلويح للطير)، واصفة إياها بأنها من أصعب المراحل الفنية في تدريب الطير على الهجوم والمناورة. وأكدت أن بناء علاقة وطيدة بين الصقّار وطيره هو حجر الزاوية في هذا المجال، وهو ما يتطلب صبراً وممارسة مستمرة لفهم سيكولوجية الطائر.
وفيما يخص تفضيلاتها، أوضحت العنزي أن اهتمامها ينصب على طيور “الجير بيور”، المعروفة بجمالها وقوتها، ورغم أنها تعد من الصقور صعبة المراس والطباع مقارنة بغيرها، إلا أنها أصبحت الأقرب لقلبها بعد أن تولت تدريبها بنفسها، ليصبح طيرها رفيقاً وجزءاً لا يتجزأ من روتين حياتها اليومي.
الصقارة.. إرث عالمي وعمق تاريخي
لا يمكن فصل تجربة أمينة العنزي عن السياق العام لتاريخ الصقارة في الجزيرة العربية؛ فهذه الرياضة ليست مجرد هواية، بل هي موروث ثقافي ضارب في القدم، ارتبط بحياة الآباء والأجداد كوسيلة للصيد والبقاء، قبل أن تتحول إلى رياضة تراثية تعزز الهوية الوطنية. وقد توجت جهود المملكة العربية السعودية في هذا المجال بقيادتها للملف الدولي لتسجيل “الصقارة” في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو، مما يعكس الأهمية العالمية لهذا التراث.
الحدود الشمالية.. مسرح الطبيعة للصقور
تكتسب تجربة العنزي بعداً إضافياً بكونها تنطلق من منطقة الحدود الشمالية، التي تعد جغرافياً واحدة من أهم المعابر الرئيسية لهجرة الصقور والطيور الحرة في العالم. هذه الميزة الجغرافية جعلت من المنطقة بيئة خصبة لنمو هذه الهواية وازدهارها، حيث يترقب الصقارون مواسم الهجرة والعبور لممارسة هوايتهم، مما يعزز من فرص الاحتكاك واكتساب الخبرات بين أبناء المنطقة.
طموح نحو المستقبل
تختتم أمينة العنزي حديثها بالتأكيد على أنها تعلمت الكثير من هذا المجال الذي تعتز به، وهي تسعى جاهدة للاستمرار في تطوير مهاراتها الاحترافية. وتطمح العنزي للمشاركة الفاعلة في مهرجان الصقور القادم بمحافظة طريف، مؤكدة أن هدفها يتجاوز المنافسة إلى الرغبة في إبراز هذا التراث العريق للأجيال الجديدة، وتشجيع العنصر النسائي على خوض غمار هذه التجربة التراثية الفريدة.



