السلامة في المدن الترفيهية: دروس من حادثة أبها ورقابة صارمة

أثارت حادثة سقوط إحدى الألعاب الترفيهية في مدينة أبها مؤخراً موجة من التساؤلات حول مدى تطبيق معايير السلامة في المدن الترفيهية في المملكة العربية السعودية. وأكد مختصون لـ «اليوم» أن هذا الحادث يعيد التأكيد على الضرورة الملحة لتطوير منظومة الرقابة الفنية والوقائية الشاملة، مشددين على أن حماية الأرواح تبدأ من مراحل التصميم والتصنيع الأولى وتستمر حتى التشغيل والصيانة اليومية الفعالة، بما يضمن بيئة ترفيهية آمنة وخالية من المخاطر.
أبعاد تنموية وسياحية: لماذا تعد السلامة في المدن الترفيهية ركيزة أساسية؟
شهدت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة طفرة غير مسبوقة في قطاع الترفيه والسياحة، تماشياً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. وتوسعت المدن في إنشاء المجمعات الترفيهية والمشاريع السياحية الضخمة لجذب الزوار محلياً وإقليمياً ودولياً. ومع هذا النمو المتسارع، تبرز أهمية تطبيق أعلى معايير السلامة في المدن الترفيهية ليس فقط لحماية الأرواح، بل لتعزيز الثقة الاستثمارية والسياحية في هذا القطاع الحيوي. إن أي خلل في منظومة السلامة قد يؤثر سلباً على السمعة السياحية المتنامية للمنطقة، مما يجعل الرقابة الصارمة صمام أمان للاقتصاد الوطني وجودة الحياة.
منظومة رقابية متكاملة من التصميم إلى التشغيل
أوضح خبير السلامة اللواء المتقاعد الدكتور خالد بن مريشد العتيبي أن اللوائح الفنية والتشريعات المنظمة للمدن الترفيهية حددت اشتراطات دقيقة لسلامة الألعاب، تبدأ من مراحل التصميم والتصنيع، مروراً بالتركيب والتشغيل. وتشمل هذه الاشتراطات مطابقة الألعاب لمتطلبات الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة، والحصول على شهادات التفتيش المعتمدة، ووثائق تقييم المخاطر، وإجراء الصيانة الدورية واجتياز الاختبارات قبل التشغيل، إلى جانب التزام مسؤولي السلامة بمهامهم النظامية.
اللواء المتقاعد د. خالد العتيبي
وأكد أن تطوير منظومة الفحص والرقابة يتطلب رفع كفاءة جهات التفتيش والصيانة، والتوسع في خدماتها، مع التحقق المستمر من دقة التقارير الفنية وجودة أعمالها. وأضاف أن التشريعات حددت مسؤوليات جميع الأطراف، بدءاً من المورد والمشغل ووصولاً إلى جهات التفتيش، فيما يتحمل الزوار مسؤولية الالتزام بإرشادات السلامة، والفئات العمرية المحددة، واستخدام وسائل الحماية وأحزمة الأمان.
إدارة المخاطر بمنهج استباقي قائم على البيانات
من جانبه، أوضح مستشار السلامة والصحة المهنية الدكتور محمد زمزمي أن حادثة أبها تؤكد أهمية إدارة السلامة بمنهج استباقي قائم على إدارة المخاطر، بدلاً من الاكتفاء بالفحص التقليدي أو الالتزام الشكلي بالاشتراطات.
د. محمد زمزمي
وأشار إلى أن الحد من تكرار الحوادث يبدأ بالالتزام بالمعايير الهندسية، وإجراء الفحوص التشغيلية الدورية، والتأكد من جاهزية أنظمة الإيقاف الاضطراري، وتأهيل الكوادر للتعامل مع الحالات الطارئة. كما أكد أن تطوير الرقابة يتطلب الاستعانة بجهات فنية مستقلة، والاستفادة من تقنيات الصيانة التنبؤية والأنظمة الذكية لمراقبة الألعاب، مع توثيق أعمال الفحص والصيانة إلكترونياً لتعزيز الشفافية وسهولة التتبع.
وفي السياق ذاته، بيّن المهندس المدني والمستشار في إدارة المرافق هيثم يحيى الأحمدي أن الحوادث المرتبطة بالألعاب الترفيهية تستوجب مراجعة شاملة لمنظومة السلامة والرقابة الفنية، موضحاً أن سلامة هذه المرافق تبدأ منذ التصميم والتركيب، وتمتد إلى التشغيل والصيانة والرقابة المستمرة، وأن أي خلل في إحدى هذه المراحل قد يقود إلى نتائج جسيمة.
م. هيثم الأحمدي
وأكد الأحمدي أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الصيانة الدورية التقليدية إلى إدارة المخاطر المبنية على البيانات، عبر الفحوص الفنية المتخصصة، والتقييم المستمر للعمر التشغيلي للألعاب، واستخدام تقنيات المراقبة للكشف المبكر عن الأعطال قبل وقوعها.
الرقابة الصارمة وحوكمة التصنيع
أوضح مهندس السلامة والصحة المهنية ضياء محمد مليباري أن حادثة سقوط إحدى الألعاب الترفيهية تؤكد أهمية إدارة السلامة بمنهج وقائي قائم على إدارة المخاطر، وليس الاكتفاء بالتعامل مع الحوادث بعد وقوعها. وأشار إلى أن الالتزام باشتراطات التصميم والتشغيل، وإجراء الفحوص الفنية الدورية بواسطة جهات مستقلة ومعتمدة، يمثل خط الدفاع الأول لحماية الأرواح.
م. ضياء مليباري
من جهته، أشار المهندس المستشار هاني سراج وزان إلى أن سلامة الألعاب الترفيهية تبدأ منذ اختيار المصنع والمورد، لأن جودة التصنيع وكفاءة الموردين تنعكسان مباشرة على سلامة الزوار، داعياً إلى اعتماد المصنعين المؤهلين وفق معايير دولية، وإلزام الألعاب باجتياز اختبارات كفاءة التصنيع والفحص الفني بواسطة جهات مستقلة «طرف ثالث».
م. هاني وزان
الاستثمار في الوقاية والتحليل الجذري
أوضح الدكتور المهندس طلال صالح مندورة، المتخصص في السلامة والصحة المهنية والصيانة والتشغيل والصناعة، أن تكرار حوادث الألعاب الترفيهية، ومنها حادثتا أبها والطائف، يؤكد ضرورة الانتقال من معالجة الحوادث بعد وقوعها إلى منعها قبل حدوثها، من خلال تحليل الأسباب الجذرية وتطبيق منهج السلامة الاستباقية.
د. م طلال مندورة
وأكد أن الاستثمار في الوقاية يسهم في تقليل الخسائر البشرية والاقتصادية، داعياً إلى إشراك جهة رقابية مستقلة ومؤهلة لتطبيق نظام إدارة السلامة والصحة المهنية، وإجراء الفحوص الدورية والاختبارات غير الإتلافية والاختبارات الهيدروستاتيكية، إلى جانب تنفيذ الصيانة الوقائية وفق قوائم فحص دقيقة قبل التشغيل.
المسؤولية القانونية والتعويضات في النظام السعودي
أوضح المحامي والمستشار القانوني ماجد عبدالله الأحمدي أن الأنظمة السعودية أولت حماية الأرواح وسلامة الأفراد عناية كبيرة، وأن أي تقصير في تطبيق اشتراطات السلامة قد يرتب مسؤولية قانونية متى ثبت الخطأ والضرر والعلاقة السببية، مشيراً إلى أن نظام المعاملات المدنية كفل للمتضررين الحق في المطالبة بجبر الأضرار.
المحامي ماجد الأحمدي
وأكد أن المادة «120» من نظام المعاملات المدنية نصت على أن: «كل خطأ سبب ضرراً للغير يُلزم من ارتكبه بالتعويض»، فيما قررت المادة «121» أن الضرر يُعد ناشئاً عن الفعل الضار إذا كان نتيجة مباشرة له ما لم يثبت خلاف ذلك. وأضاف أن التعويض يشمل الأضرار الجسدية والمادية والمعنوية، ويُقدّر وفق حجم الضرر وآثاره.
وفي ذات السياق، أكدت المحامية وجدان محمد الظاهري أن النظام السعودي كفل للمتضررين في حوادث الألعاب الترفيهية حماية قانونية متكاملة، استناداً إلى القواعد الشرعية، ومنها «لا ضرر ولا ضرار» و«الضرر يزال»، إضافة إلى المادة «119» من نظام المعاملات المدنية التي أكدت استقلال المسؤولية المدنية عن المسؤولية الجزائية.
وجدان الظاهري
وأشارت إلى أن المادة «143» من نظام المعاملات المدنية نصت على أن دعوى التعويض لا تُسمع بعد مضي ثلاث سنوات من تاريخ علم المتضرر بالضرر وبالمسؤول عنه، وفي جميع الأحوال بعد مضي عشر سنوات من تاريخ وقوع الضرر، مشددة على عدم التسرع في توقيع أي مخالصة قبل استقرار الحالة الطبية.
من جهتها، أوضحت المستشارة القانونية وجدان عبدالعزيز أن المحافظة على الحقوق تبدأ بسرعة توثيق الإصابة بالتقارير الطبية المعتمدة، والابلاغ عن الحادث لدى الجهات المختصة، والاحتفاظ بالمحاضر الرسمية والفواتير والصور أو المقاطع المرئية وسائر الأدلة التي تدعم المطالبة بالتعويض القائم على أركان المسؤولية التقصيرية (الخطأ، الضرر، والعلاقة السببية).
وجدان عبدالعزيز
الاستجابة الطبية السريعة لإنقاذ الأرواح
أوضح استشاري طب الطوارئ الدكتور باسم البحراني أن حوادث الألعاب الترفيهية قد تسفر عن إصابات تتراوح بين البسيطة والخطيرة، تشمل إصابات الرأس والعمود الفقري، والكسور والخلوع، وإصابات الصدر والبطن، إضافة إلى النزيف والصدمة النفسية، مؤكداً أن سرعة التدخل الطبي تسهم في تثبيت الحالة وتقليل المضاعفات.
د. باسم البحراني
وأكد أن التصرف الصحيح يبدأ بالاتصال الفوري بالإسعاف، وتحديد الموقع وعدد المصابين، مع عدم تحريك المصاب عند الاشتباه بإصابة في الرأس أو الرقبة أو العمود الفقري، إلا عند وجود خطر مباشر، وإيقاف النزيف بالضغط المباشر، ومراقبة التنفس والوعي، والبدء بالإنعاش القلبي الرئوي عند الحاجة لمن يجيده، محذراً من التجمهر وتصوير المصابين.


