أزمة غياب المياه الآمنة تهدد 2.1 مليار شخص عالمياً

تعتبر التوعية بأهمية الموارد المائية العذبة ضرورة قصوى لضمان استمرار الحياة على كوكب الأرض، خاصة في ظل أزمة الشح المائي العالمية التي تحرم نحو 2.1 مليار شخص من خدمات المياه الآمنة للشرب. هذا الواقع الصعب يفرض على المجتمع الدولي تسليط الضوء على حتمية الإدارة المستدامة للموارد المائية، والبحث عن حلول تقنية مبتكرة تضمن مستقبلاً آمناً للأجيال القادمة. وفي هذا السياق، وبمناسبة اليوم العالمي للمياه، أوضحت الباحثة بكلية علوم البحار بجامعة الملك عبدالعزيز، نجود الحربي، أن استدامة الموارد المائية تواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في اختلال الدورة المائية نتيجة التغيرات المناخية المتسارعة.
جذور التحدي المائي وتأثيراته الممتدة على التنمية
تاريخياً، ارتبطت الحضارات الإنسانية بضفاف الأنهار ومصادر المياه العذبة، حيث شكلت المياه الأساس الأول للاستقرار البشري والزراعي. ومع التطور الصناعي والنمو السكاني المتسارع خلال القرن العشرين، بدأ الاستنزاف الجائر للموارد الطبيعية، مما أدى إلى ظهور بوادر أزمات مائية في عدة مناطق حول العالم. إن أهمية هذا الحدث وتأثيره المتوقع لا تقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية عميقة. فعلى الصعيد المحلي والإقليمي، يهدد نقص المياه الأمن الغذائي ويحد من خطط التنمية الزراعية، بينما على الصعيد الدولي، يُعد الشح المائي محركاً رئيسياً للنزاعات الجيوسياسية وموجات النزوح البيئي، مما يجعل تحقيق الأمن المائي ركيزة أساسية ضمن أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة.
التغير المناخي وتفاقم أزمة المياه الآمنة
أكدت الباحثة نجود الحربي أن الارتفاع المستمر في درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة معدلات التبخر واضطراب أنماط الهطول المطري. هذا الخلل يتسبب في هطول أمطار غزيرة ومفاجئة تليها فترات جفاف طويلة وقاسية. وإلى جانب ذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر، تتضاءل كميات المياه العذبة المتاحة. ويتفاقم هذا الوضع عالمياً مع تزايد مخاطر الفيضانات والجفاف، واشتداد الظواهر المناخية المتطرفة وفقاً لتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، مما يجعل توفير المياه الآمنة تحدياً يومياً لملايين البشر.
تحديات الأمن المائي محلياً واعتماد مصادر مكلفة
على المستوى المحلي، تبرز التحديات بوضوح في المملكة العربية السعودية نتيجة محدودية الموارد المائية المتجددة، والاستنزاف المتسارع للمياه الجوفية. هذا الوضع أدى إلى الاعتماد الكبير على تحلية مياه البحر، والتي تشكل نحو 60% من الإمدادات المدنية، وما يرافق ذلك من تكاليف اقتصادية مرتفعة للطاقة والنقل، فضلاً عن الأثر البيئي. وتتفاقم هذه التحديات في القطاع الزراعي، حيث تزيد الحرارة والرياح الجافة من معدلات بخر ونتح النباتات، مما يرفع الاحتياجات المائية للمحاصيل ويضغط بشدة على الموارد المتاحة، ليعزز الاعتماد على مصادر مكلفة.
ثورة التقنيات الحديثة في استخلاص المياه من الهواء
لمواجهة هذه التحديات، استعرضت الباحثة دور التقنيات الحديثة في مجالات تحلية المياه وإعادة تدويرها. تسهم تقنيات التناضح العكسي (RO) والأغشية المتطورة في رفع كفاءة الفصل وخفض استهلاك الطاقة. كما تُستخدم تقنيات التحفيز الضوئي بالمواد النانوية لمعالجة الملوثات العضوية باستخدام الطاقة الشمسية. ومن أبرز الابتكارات، تبرز المواد المسامية المتقدمة (MOFs) التي طورها العالم السعودي البارز البروفيسور عمر ياغي، والتي أثبتت كفاءة عالية في استخلاص المياه من الهواء حتى في البيئات الجافة، مع إمكانية إنتاج كميات تصل إلى 1000 لتر يومياً دون الحاجة للكهرباء.
تقنيات الزراعة الذكية وتكامل الطاقة
تتجه الابتكارات أيضاً نحو تعظيم الاستفادة من الرجيع الملحي واستخلاص المعادن منه. وفي مجال الزراعة الذكية، طورت شركة “تيراكسي” مواد مبتكرة مثل “CarboSoil” لتعزيز السعة المائية للتربة، و”SandX” لتقليل الفقد بالتبخر بنسبة تصل إلى 80%. كما تبرز تقنية الفقاعات النانوية لتحسين إزالة الملوثات الدقيقة. وفي إطار تكامل الماء والطاقة، يُعد الهيدروجين الأخضر حلاً استراتيجياً لإزالة الكربون من قطاع التحلية، تماشياً مع توجه المملكة لاعتماده كبديل للطاقة التقليدية، حيث يُتوقع أن يصل الطلب العالمي عليه إلى 21% بحلول عام 2050.
ترشيد الاستهلاك مسؤولية مجتمعية مشتركة
اختتمت الحربي بالتأكيد على أن تلوث المياه وسوء إدارتها ينعكسان مباشرة على الصحة العامة والنظم البيئية. وشددت على أهمية تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك عبر نشر الوعي وتبني سلوكيات يومية مسؤولة، مستمدة من القيم الإسلامية التي تنهى عن الإسراف. وتبدأ هذه الثقافة من المنزل، حيث يتجلى دور الأسرة، وخاصة الأم (الذي يتزامن الاحتفاء بها عالمياً في 21 مارس مع قضايا المياه)، في غرس قيم شكر النعم وتوجيه الأبناء نحو الابتكار والبحث العلمي، لبناء جيل واعٍ قادر على حماية مقدرات الوطن وضمان استدامتها.



