روسيا تحدد شرط الالتزام بقيود معاهدة نيو ستارت النووية

في تطور جديد يعكس حالة الشد والجذب المستمرة بين القوى العظمى، أعلنت روسيا يوم الأربعاء عن موقفها الرسمي تجاه القيود المفروضة على ترسانتها النووية، مؤكدة أنها ستواصل احترام السقوف المحددة للرؤوس الحربية ومنصات الإطلاق، ولكن بشرط جوهري يتمثل في التزام الولايات المتحدة الأمريكية بالمثل. يأتي هذا الإعلان في وقت يشهد فيه العالم قلقاً متزايداً بشأن مستقبل الأمن الاستراتيجي العالمي.
شرط المعاملة بالمثل والموقف الروسي
صرح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأن بلاده متمسكة بـ "الوقف الاختياري" الذي فرضته على نفسها فيما يتعلق بزيادة حجم ترسانتها النووية. وأوضح لافروف أن هذا الالتزام الروسي "لا يزال ساري المفعول"، مشدداً في الوقت ذاته على أن استمراريته مرهونة بشكل كامل بعدم تجاوز الولايات المتحدة للحدود المنصوص عليها في الاتفاقيات السابقة. تعكس هذه التصريحات رغبة موسكو في الحفاظ على توازن الردع الاستراتيجي دون الانجرار إلى سباق تسلح مفتوح، ما لم تضطر لذلك بناءً على التحركات الأمريكية.
دعوات الناتو لضبط النفس والمسؤولية
على الجانب الآخر، وفي رد فعل سريع على التطورات المتعلقة بانتهاء صلاحية أو تعليق العمل بآليات معاهدة "نيو ستارت"، دعا حلف شمال الأطلسي (الناتو) جميع الأطراف إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس. ونقلت وكالة فرانس برس عن مسؤول في الحلف قوله إن "ضبط النفس وتحمل المسؤولية في المجال النووي أمران أساسيان للأمن العالمي". يرى الحلف أن غياب الشفافية والقيود الملزمة قد يؤدي إلى سوء تقدير كارثي، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية في أوروبا.
معاهدة "نيو ستارت": آخر حصون الحد من التسلح
لفهم عمق هذا الحدث، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية لمعاهدة "نيو ستارت" (New START). وُقعت هذه المعاهدة في عام 2010 في براغ بين الرئيسين آنذاك باراك أوباما وديمتري ميدفيديف، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2011. كانت المعاهدة تهدف إلى خفض الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة إلى 1550 رأساً لكل من البلدين، وتحديد عدد قاذفات القنابل والصواريخ الباليستية العابرة للقارات.
تُعد هذه المعاهدة الركيزة الأخيرة المتبقية للحد من التسلح النووي بين أكبر قوتين نوويتين في العالم، اللتين تمتلكان معاً ما يقرب من 90% من الترسانة النووية العالمية. وقد جاء تعليق روسيا لمشاركتها في المعاهدة سابقاً كرسالة سياسية قوية، إلا أن الإعلان الأخير عن الالتزام الطوعي بالحدود الرقمية يشير إلى رغبة في عدم هدم المبدأ بالكامل.
المخاطر العالمية وانهيار منظومة الأمن
يكتسب هذا الحدث أهمية قصوى على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ فمع انهيار معاهدات سابقة مثل معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى (INF)، أصبح العالم يواجه فراغاً قانونياً في مجال ضبط التسلح. يخشى الخبراء الدوليون من أن يؤدي غياب القيود الملزمة وآليات التحقق المتبادل إلى سباق تسلح جديد، حيث تسعى كل دولة لتطوير أسلحة أسرع وأكثر فتكاً لضمان تفوقها الاستراتيجي، مما يعيد أجواء الحرب الباردة ولكن بتقنيات أكثر خطورة.



