انتهاء معاهدة نيو ستارت: مخاوف من سباق تسلح نووي جديد

في تطور لافت يعيد تشكيل المشهد الأمني العالمي، أعلنت روسيا يوم الأربعاء أنها لم تعد ملزمة ببنود معاهدة “نيو ستارت” النووية مع الولايات المتحدة، وذلك تزامناً مع انتهاء صلاحيتها الرسمية اليوم الخميس. هذا الإعلان يضع حداً لآخر اتفاقية رئيسية كانت تضبط الترسانات النووية لأكبر قوتين نوويتين في العالم، مما يشرع الأبواب أمام مرحلة من الضبابية الاستراتيجية ومخاوف جدية من اندلاع سباق تسلح جديد غير مقيد.
نهاية آخر ضوابط الردع النووي
أكدت وزارة الخارجية الروسية في بيان رسمي أن أطراف المعاهدة لم تعد ملزمة بأي تعهدات أو إعلانات متبادلة، مما يعني عملياً سقوط السقوف التي كانت تحدد عدد الرؤوس النووية والمنصات الاستراتيجية. ورغم هذا التحلل من الالتزامات، حاولت موسكو طمأنة المجتمع الدولي، حيث شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال محادثاته مع نظيره الصيني شي جين بينغ على أن روسيا ستتصرف “بحكمة ومسؤولية” في المجال النووي، مبدياً انفتاحاً على التفاوض لضمان الاستقرار الاستراتيجي.
السياق التاريخي والأهمية الاستراتيجية للمعاهدة
تكتسب معاهدة “نيو ستارت” أهمية تاريخية بالغة، حيث تم توقيعها في عام 2010 في العاصمة التشيكية براغ بين الرئيسين آنذاك باراك أوباما وديمتري ميدفيديف. كانت المعاهدة تهدف إلى خفض التوتر الموروث من حقبة الحرب الباردة، حيث حددت لكل طرف سقفاً لا يتجاوز 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منتشراً، و700 صاروخ وقاذفة قنابل استراتيجية. كما تضمنت المعاهدة آلية صارمة للتحقق وتبادل البيانات، وهو ما كان يوفر قدراً من الشفافية والثقة المتبادلة بين واشنطن وموسكو.
إلا أن مسار المعاهدة تعرض لانتكاسة كبرى في فبراير 2023، حين علقت روسيا مشاركتها فيها على خلفية تصاعد التوتر بسبب الحرب في أوكرانيا والدعم الغربي لكييف، مما أدى إلى توقف عمليات التفتيش المتبادلة.
الموقف الأمريكي والمعادلة الصينية
على الجانب الآخر، تلتزم واشنطن بحذر شديد في ردود أفعالها. وقد صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن الإدارة الأمريكية ليس لديها إعلان فوري، مشيراً إلى أن الرئيس دونالد ترامب سيتناول هذا الملف لاحقاً. النقطة الجوهرية في الموقف الأمريكي الجديد تتمثل في الإصرار على توسيع دائرة أي مفاوضات مستقبلية لتشمل الصين.
ويرى الجانب الأمريكي أن أي اتفاق للحد من التسلح في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يكون ثنائياً فقط، نظراً لتنامي الترسانة النووية الصينية بسرعة. هذا التحول يشير إلى انتقال العالم من نظام الردع الثنائي (أمريكا وروسيا) إلى نظام ردع ثلاثي أكثر تعقيداً وخطورة.
تداعيات غياب المعاهدة على الأمن الدولي
يمثل انتهاء “نيو ستارت” دون بديل جاهز مخاطرة كبيرة للأمن والسلم الدوليين. فغياب تبادل البيانات وعمليات التفتيش يزيد من احتمالات سوء التقدير والشكوك المتبادلة بين القوى العظمى. ويحذر الخبراء من أن العالم قد يتجه نحو سباق تسلح كمي ونوعي، حيث تسعى كل دولة لتعزيز قدراتها الردعية في ظل غياب القيود القانونية، وهو ما حذر منه الكرملين نفسه واصفاً الوضع بأنه قد يصبح “أكثر خطورة من ذي قبل”.



