روسيا تنهي التزامها بمعاهدة نيو ستارت النووية: التفاصيل والتداعيات

في تطور لافت يلقي بظلاله على مشهد الأمن الاستراتيجي العالمي، أعلنت روسيا رسمياً أنها لم تعد تعتبر نفسها “ملزمة” ببنود معاهدة “نيو ستارت” (New START) للحد من الأسلحة النووية المبرمة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وجاء هذا الإعلان ليضع حداً للتكهنات حول مستقبل الاتفاقية التي كان من المقرر أن تنتهي صلاحيتها الزمنية في الخامس من فبراير، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات المتوترة بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم.
ونقلت وزارة الخارجية الروسية في بيان رسمي موقف موسكو الحاسم، قائلة: “نفترض أن أطراف معاهدة نيو ستارت لم تعد ملزمة بأي تعهدات أو إعلانات متبادلة في إطار المعاهدة”. هذا التصريح لا يمثل مجرد إجراء بروتوكولي، بل يعد تحولاً جوهرياً في عقيدة الحد من التسلح التي حكمت العلاقات بين موسكو وواشنطن لعقود.
ما هي معاهدة “نيو ستارت”؟
لفهم خطورة هذا الإعلان، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية لهذه المعاهدة. وُقعت اتفاقية “نيو ستارت” في براغ عام 2010، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2011. وتعتبر هذه المعاهدة آخر ركيزة أساسية متبقية للحد من التسلح النووي بين الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تمتلكان معاً حوالي 90% من الرؤوس الحربية النووية في العالم.
نصت المعاهدة على تحديد سقف للرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية المنشورة عند 1550 رأساً لكل دولة، كما حددت عدد قاذفات القنابل والصواريخ الباليستية التي يمكن نشرها بـ 700 وحدة. بالإضافة إلى ذلك، تضمنت المعاهدة آليات صارمة للتحقق والمراقبة، بما في ذلك تبادل البيانات وإجراء عمليات تفتيش ميدانية متبادلة للقواعد النووية، وهو ما كان يضمن حداً أدنى من الشفافية والثقة بين الطرفين.
تآكل منظومة الحد من التسلح
يأتي هذا القرار الروسي في سياق تدهور مستمر في بنية الاتفاقيات الدولية للحد من التسلح. فقد سبق وأن انسحبت الولايات المتحدة وروسيا من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF) في عام 2019، كما انسحبت واشنطن من معاهدة السماوات المفتوحة. ومع تعليق الالتزام بـ “نيو ستارت”، يواجه العالم خطراً حقيقياً يتمثل في غياب أي قيود قانونية على الترسانات النووية لأول مرة منذ الحرب الباردة.
التداعيات الدولية والمخاطر المتوقعة
يحمل إنهاء الالتزام بالمعاهدة مخاطر استراتيجية جسيمة على المستويين الإقليمي والدولي. أولاً، يؤدي غياب تبادل المعلومات وعمليات التفتيش إلى حالة من “الغموض الاستراتيجي”، حيث قد يسيء كل طرف تقدير قدرات ونوايا الطرف الآخر، مما يزيد من احتمالية حدوث سباق تسلح جديد ومكلف.
ثانياً، يبعث هذا القرار برسالة مقلقة للدول غير النووية ويضعف نظام منع الانتشار النووي العالمي. فغياب التزام القوى العظمى بخفض ترساناتها قد يدفع دولاً أخرى للسعي لامتلاك قدرات ردع خاصة بها، مما يهدد الاستقرار العالمي. ويرى الخبراء أن العالم قد يكون مقبلاً على حقبة أكثر خطورة وأقل قابلية للتنبؤ في العلاقات الدولية، حيث تغيب الضوابط التي كانت تمنع الانزلاق نحو مواجهة نووية شاملة.



