روسيا تسيطر على بوكروفسك وفوفشانسك: تفاصيل التطورات الميدانية

في تحول ميداني جوهري يعيد رسم خريطة السيطرة في الشرق الأوروبي، أعلنت روسيا رسمياً، يوم الاثنين، عن إحكام قبضتها الكاملة على مدينة بوكروفسك (التي تطلق عليها موسكو اسم كراسنوارميسك) في شرق أوكرانيا، إلى جانب مدينة فوفشانسك الاستراتيجية في شمال شرق البلاد. وجاء هذا الإعلان عبر بيان رسمي من الكرملين، أشار فيه إلى أن رئيس هيئة الأركان العامة الروسية، فاليري غيراسيموف، قدم تقريراً مفصلاً للرئيس فلاديمير بوتين يؤكد فيه إتمام عملية "تحرير" المدينتين وتطهيرهما بالكامل.
الأهمية الاستراتيجية واللوجستية لمدينة بوكروفسك
لا يمكن اختزال السيطرة على بوكروفسك في كونها مجرد مكسب جغرافي جديد؛ فالمدينة تُعد بمثابة "القلب اللوجستي" للقوات المسلحة الأوكرانية في إقليم دونباس. وتكمن خطورة سقوطها في كونها عقدة مواصلات محورية تتقاطع فيها خطوط السكك الحديدية والطرق السريعة الرئيسة التي اعتمدت عليها كييف لسنوات في نقل الذخيرة، والوقود، والمعدات الثقيلة، والإمدادات الطبية إلى الجبهات الأمامية. وبخسارة هذه المدينة، تفقد القوات الأوكرانية شريان حياة رئيسياً، مما يضعف قدرتها على المناورة والصمود في ما تبقى من جيوب المقاومة داخل مقاطعة دونيتسك، ويجبرها على اللجوء إلى طرق إمداد فرعية أطول وأكثر وعورة، مما يجعل قوافلها صيداً سهلاً للنيران الروسية.
السياق التاريخي للصراع في دونباس
لفهم عمق هذا التطور، يجب النظر إليه ضمن السياق التاريخي للصراع في إقليم دونباس الذي بدأ فعلياً عام 2014. لطالما اعتبرت موسكو السيطرة الكاملة على الحدود الإدارية لمنطقتي دونيتسك ولوغانسك هدفاً رئيساً لعمليتها العسكرية. وتُعد بوكروفسك بوابة غربية هامة لمنطقة دونيتسك؛ حيث يفتح سقوطها الطريق أمام القوات الروسية للتقدم نحو الحدود الإدارية للمقاطعة والضغط باتجاه مدن صناعية أخرى، مما يحقق أحد الأهداف المعلنة للكرملين والمتمثلة في "تحرير دونباس" بالكامل، وهو ما يعطي للحدث بعداً رمزياً ومعنوياً كبيراً إلى جانب ثقله العسكري.
توسيع رقعة المواجهة: من خاركيف إلى دنيبروبيتروفسك
بالتوازي مع التقدم في الشرق، يشكل سقوط مدينة فوفشانسك في مقاطعة خاركيف (شمال شرق) ضربة موجعة للدفاعات الأوكرانية، حيث تهدف القوات الروسية من خلال هذه التحركات إلى تشتيت الجهد العسكري الأوكراني واستنزاف احتياطياته عبر فتح جبهات متباعدة. وتتزايد المخاوف الأوكرانية مع تأكيد الجيش الروسي سيطرته على مناطق "بتريفسكه" في دونيتسك، و"تيخه" و"أوترادنه" في منطقة دنيبروبيتروفسك. ويشير التوغل الروسي داخل حدود دنيبروبيتروفسك، التي ظلت بعيدة نسبياً عن المعارك البرية المباشرة لفترة طويلة، إلى نية موسكو توسيع نطاق العمليات ليشمل مناطق حيوية في وسط أوكرانيا، مما يهدد المراكز الصناعية الكبرى هناك.
التوقيت السياسي وتأثيره على مفاوضات السلام
تكتسب هذه التطورات الميدانية زخماً إضافياً نظراً لتوقيتها الحساس سياسياً ودولياً. فهي تتزامن مع حراك دبلوماسي مكثف واجتماعات عقدها مسؤولون أوكرانيون وغربيون في سويسرا لبحث سيناريوهات إنهاء الحرب، وسط حديث متزايد عن خطط سلام محتملة قد تطرحها الإدارة الأمريكية المقبلة في حال فوز دونالد ترامب. ويرى محللون استراتيجيون أن تكثيف روسيا لعملياتها العسكرية في هذا التوقيت يهدف لفرض سياسة "الأمر الواقع"، وتعزيز أوراقها التفاوضية، لتثبت للعالم أن نفوذها العسكري في المناطق الشرقية والجنوبية حقيقة راسخة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية سياسية مستقبلية.



