التراث والثقافة

أسرار مهنة النهام: المعالج النفسي وقائد سفن الغوص

يحتل التراث البحري مكانة استثنائية في الذاكرة الجمعية لدول الخليج العربي، حيث شكل البحر لقرون طويلة شريان الحياة والمصدر الرئيسي للرزق قبل اكتشاف النفط. وفي قلب هذه الملحمة الإنسانية، يبرز دور «النهام» كأحد أهم ركائز رحلات الغوص، متجاوزاً كونه مجرد منشد للمواويل والأهازيج، ليصبح محوراً أساسياً في إدارة الطاقة البشرية والنفسية على ظهر السفينة.

الوجه الخفي للنهام: معالج نفسي في عرض البحر

في حديث يكشف عمق هذه المهنة، سلط النهام أحمد بحر الضوء على الأبعاد غير المرئية لدور النهام، واصفاً إياه بـ«المعالج النفسي» الأول للبحارة. وأكد بحر أن المهمة تتعدى الطرب والترفيه، لتصل إلى كونه صمام الأمان للصحة النفسية للطاقم. يعمل صوته كأداة دقيقة لتفريغ الشحنات السلبية، وتعديل المزاج العام، وامتصاص الضغط الجسدي والذهني الهائل الذي يتعرض له البحارة وسط أمواج البحر المتلاطمة وعزلة السفر الطويل التي قد تمتد لأشهر.

وتتجلى أهمية هذا الدور في حقيقة تاريخية أشار إليها بحر، وهي أن البحارة كانوا يسألون عن هوية النهام المرافق للرحلة قبل سؤالهم عن «النوخذة» (قائد السفينة)؛ وذلك لإيمانهم بأن النهام هو المصدر الوحيد للدعم المعنوي والدافع المحفز الذي يخفف عنهم وطأة الغربة ومشقة العمل المتواصل في ظروف مناخية قاسية.

السياق التاريخي: إيقاع العمل والإنتاجية

تاريخياً، لم تكن رحلات الغوص مجرد مغامرة، بل كانت منظومة اقتصادية صارمة تعتمد على الجهد العضلي الجماعي. هنا يبرز الدور «القيادي الميداني» للنهام، حيث يوجه دفة العمل العضلي عبر فنون إيقاعية محددة. فلكل حركة على ظهر السفينة إيقاع خاص يصدح به النهام؛ مثل فن «الخطفة» عند رفع الأشرعة لتوحيد حركة السحب، وفنون «اليامال» و«الدواري» لتنظيم الجهد الجماعي.

هذا التناغم الصوتي الحركي كان ضرورياً لتحويل التعب الجسدي إلى طاقة منتجة، خاصة على متن السفن التقليدية الكبيرة مثل «البتيل» التي كانت تحمل ما بين 30 و40 بحاراً يعيشون في مساحة محدودة. لقد كان صوت النهام هو «المايسترو» الذي يضبط إيقاع المجاديف وسحب الحبال، مما يضمن سلامة الطاقم وسرعة الإنجاز.

مواسم الغوص وأهمية الاستدامة البشرية

تتنوع مواسم الغوص في الخليج، إلا أن الدور الحيوي للنهام يتعاظم في موسم «غوص العود» (الغوص الكبير)، الذي يستمر لمدة 4 أشهر و10 أيام في ذروة قيظ الصيف. مقارنة بالمواسم الأقصر مثل «غوص المينا» أو «غوص العزازيل» الفردي، يعتبر النهام في الرحلات الطويلة عنصر بقاء لا غنى عنه، حيث يساعد البحارة على تجاوز الانهيارات النفسية المحتملة نتيجة الإرهاق والابتعاد عن الأهل.

واليوم، يُنظر إلى فن النهمة ليس فقط كفلكلور شعبي، بل كجزء أصيل من التراث الثقافي غير المادي للمنطقة، يعكس قدرة الإنسان الخليجي على تطويع الفن لخدمة العمل والحياة، وقدرته على الصمود في وجه الطبيعة القاسية من خلال التكافل والروح الجماعية التي كان النهام حارسها الأمين.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى