النقش على الصخور في العُلا: إرث حضاري وفن متجدد

تُعدّ حرفة النقش على الصخور في محافظة العُلا واحدة من أبرز الملامح الثقافية التي تُميز المملكة العربية السعودية، حيث لا تقتصر أهميتها على كونها مهارة يدوية فحسب، بل تمثل سجلاً تاريخياً بصرياً يوثق تعاقب الأمم والحضارات على هذه الأرض. لقد تحولت جبال العُلا الشامخة وصخورها الرملية عبر آلاف السنين إلى مدونات مفتوحة، تعكس ما امتلكه الإنسان القديم من مهارة فنية وقدرة فائقة على التعبير والتدوين، مما جعل المنطقة بمثابة مكتبة تاريخية ضخمة في الهواء الطلق.
وعلى مر العصور، لعبت العُلا دوراً محورياً كملتقى للطرق التجارية القديمة، لا سيما طريق البخور، مما جعلها حاضنة لثقافات متنوعة مثل الحضارة الدادانية واللحيانية والنبطية. وقد ترك المسافرون والتجار وسكان المنطقة بصماتهم عبر آلاف النقوش التي تنوعت بين الكتابات والرسوم الصخرية. وتبرز أهمية هذه النقوش في جبل عكمة، الذي يُصنف كأكبر مكتبة مفتوحة للنقوش في الجزيرة العربية، حيث يضم نصوصاً توثق الطقوس الدينية، والمعاملات التجارية، وتفاصيل الحياة اليومية، مكتوبة بخطوط متعددة كالآرامية، والدادانية، والثمودية، والنبطية التي مهدت لظهور الخط العربي.
وفي العصر الحديث، يواصل أبناء وبنات العُلا اهتمامهم بهذا الإرث العريق، ليس فقط للحفاظ عليه، بل لإعادة إحيائه كفن معاصر يستلهم تقنيات الماضي برؤية مستقبلية. ويظهر هذا الشغف جلياً من خلال الإقبال على تعلم فنون النحت والنقش في المؤسسات الثقافية الرائدة مثل "مدرسة الديرة" و"أكاديمية النقوش". تهدف هذه البرامج التعليمية والورش المتخصصة إلى صون الموروث الثقافي ونقل مهاراته الدقيقة للأجيال الجديدة، مما يضمن استمرارية هذه الحرفة كجزء من الهوية الوطنية.
وتتجاوز أهمية هذا الحراك الفني البعد المحلي لتلامس البعد العالمي، حيث تسهم هذه الجهود في تعزيز مكانة العُلا كوجهة سياحية وثقافية عالمية تماشياً مع رؤية المملكة 2030. إن الحفاظ على حرفة النقش على الصخور وتطويرها يؤكد للعالم أن صخور العُلا ليست مجرد جمادات صامتة، بل هي شواهد حية تروي قصة الإنسان وتطوره، وتجسد عمق الحضارة العربية واستمراريتها، مما يمنح الزوار تجربة فريدة تجمع بين عبق التاريخ وإبداع الحاضر.



