توحيد معايير إكرام الموتى: شراكة استراتيجية بين القطيف والباحة

في خطوة نوعية تهدف إلى الارتقاء بقطاع الخدمات الاجتماعية والخيرية في المملكة العربية السعودية، وضعت جمعية الفردوس لإكرام الموتى بمحافظة القطيف وجمعية «جوار» بمنطقة الباحة حجر الأساس لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي المشترك. يأتي هذا التحرك ضمن خارطة طريق تهدف لتوحيد المعايير وتبادل الخبرات الميدانية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تطوير القطاع غير الربحي ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين.
نقلة نوعية من العمل الفردي إلى المؤسسي
لطالما اعتمدت خدمات إكرام الموتى في العديد من المناطق على الجهود الفردية والتطوعية غير المقننة، إلا أن التحولات الأخيرة تشير إلى توجه استراتيجي نحو مأسسة هذا العمل الإنساني الجليل. وقد تجسد ذلك في اللقاء الذي استضافته جمعية الفردوس لوفد جمعية «جوار»، حيث تم بحث سبل تعميم رخصة «الممارس المعتمد»، وهي مبادرة تهدف لضمان أن يكون القائمون على تجهيز الموتى مؤهلين شرعياً وصحياً وفنياً، مما يضمن حفظ كرامة المتوفى وتقديم الدعم اللازم لذويه.
مسار جديد لتوحيد الجهود الوطنية
أكد حافظ الفرج، رئيس جمعية الفردوس، أن هذا التعاون يمثل خروجاً عن النمط التقليدي لانغلاق الجمعيات الخيرية داخل نطاقها الجغرافي. وأوضح أن الهدف هو خلق تكتل وطني يدمج بين تجربة القطيف الرائدة في إدارة الحشود وتنظيم المقابر، وبين الخبرات المتراكمة لدى جمعية جوار في الباحة. هذا التكامل من شأنه أن ينتج نموذجاً وطنياً موحداً قابلاً للتطبيق في كافة مناطق المملكة، مما يرفع من جودة الخدمات الجنائزية ويقلل من التباين في مستويات الأداء بين منطقة وأخرى.
حافظ الفرج – رئيس جمعية الفردوس
تجربة الفردوس: أرقام وحقائق
استعرض اللقاء التجربة العملية لجمعية الفردوس التي نجحت في تحويل العمل التطوعي إلى منظومة احترافية دقيقة. وقد أطلع الوفد الزائر على الآليات المتبعة التي أسفرت عن إصدار 250 رخصة ممارسة، بالإضافة إلى خطة طموحة لتأهيل أكثر من 1000 متطوع. كما تم الكشف عن جدولة 18 دورة تدريبية متخصصة لعام 2026، تغطي الجوانب الشرعية والصحية والفنية، مما يجعلها نموذجاً يحتذى به في الانضباطية والتطوير المستمر.
إشادة بمستوى الحوكمة والتنظيم
من جانبه، أبدى سعيد مسفر الزهراني، رئيس مجلس إدارة جمعية «جوار» بالباحة، إعجابه الشديد بالمستوى التنظيمي في القطيف. وأشار الزهراني إلى أن ما يميز هذه التجربة هو وجود كوادر مدربة بإتقان عالٍ، وحوكمة إدارية قوية تضبط سير العمل، بالإضافة إلى العلاقة التكاملية النموذجية مع البلدية. وأكد عزم جمعيته على نقل هذه المعرفة وتطبيق هذا النموذج الاحترافي في منطقة الباحة، واصفاً ما شاهده بأنه «يثلج الصدر».
رئيس جمعية «جوار» بالباحة سعيد الزهراني
الدور التكاملي للقطاع البلدي
لم يغفل اللقاء الدور المحوري للقطاع الحكومي، حيث أوضح علي المطرود، وكيل رئيس البلدية للخدمات، أن البلدية تلعب دور الممكن والداعم للجمعيات المتخصصة. وأكد أن تولي الجمعية لكافة شؤون الموتى في المحافظة خفف العبء التشغيلي عن البلدية ورفع من جودة الخدمة، مشدداً على أن هذه الشراكات تساهم بشكل مباشر في تحسين جودة الحياة، وهو أحد أهم برامج رؤية المملكة.

البعد الإنساني والاجتماعي
سلط المهندس شفيق آل سيف، عضو المجلس البلدي سابقاً، الضوء على البعد الإنساني لهذه الشراكة، مشيراً إلى أن التعاون بين المناطق أثمر عن تسهيلات ملموسة للمواطنين، مثل التنسيق العالي لنقل الجثامين بين الرياض والقطيف. وأكد أن هذه الجهود تتجاوز الجوانب الفنية لتلامس مشاعر ذوي المتوفين، حيث يساهم التنظيم الجيد وسرعة الإجراءات في تخفيف مصابهم.
عضو المجلس البلدي سابقاً المهندس شفيق آل سيف
التوجه المستقبلي: رخصة الممارس المعتمد
وفي سياق متصل، كشف عبدالله المحارفي، مدير عام «إكرام» بأمانة المنطقة الشرقية، عن توجه استراتيجي لضبط جودة العمل في المقابر من خلال استحداث «رخصة ممارس معتمد» تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية. وتستهدف هذه الرخصة فئتي الشباب والمتقاعدين، وتتطلب اجتياز برامج تدريبية مكثفة. وأشاد المحارفي بجمعية الفردوس كنموذج رائد، منوهاً بالطبيعة الاجتماعية لمحافظة القطيف التي وفرت أعداداً ضخمة من المتطوعين، مما مكن الجمعية من تقديم خدمات نوعية تسبق بها العديد من المناطق الأخرى.
مدير عام «إكرام» بأمانة المنطقة الشرقية عبدالله المحارفي



