بوتين وتطوير القوى النووية الروسية بعد انتهاء نيو ستارت

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن تطوير القوات النووية الروسية يمثل “أولوية مطلقة”، في تصريح يعكس تحولاً استراتيجياً كبيراً في سياسة الدفاع الروسية، ويأتي في أعقاب انهيار آخر معاهدة كبرى للحد من الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة، وهي معاهدة “نيو ستارت”.
جاءت تصريحات بوتين خلال رسالة مصورة بمناسبة “يوم المدافع عن الوطن”، وهو عيد وطني يحتفي بالقوات المسلحة الروسية. وأكد بوتين أن “تطوير الثالوث النووي، الذي يضمن الردع الاستراتيجي الفعال وتوازن القوى في العالم، يبقى أولويتنا المطلقة”. ويشير “الثالوث النووي” إلى القدرة على إطلاق الأسلحة النووية من منصات برية (صواريخ عابرة للقارات)، وبحرية (غواصات)، وجوية (قاذفات استراتيجية)، مما يضمن قدرة الدولة على الرد بضربة ثانية مدمرة في حال تعرضها لهجوم نووي.
خلفية تاريخية: نهاية عصر ضبط التسلح
تمثل تصريحات بوتين تتويجاً لمرحلة من التدهور في العلاقات بين موسكو وواشنطن، والتي شهدت انهيار الهيكل الأمني الذي تم بناؤه بعد الحرب الباردة. كانت معاهدة “نيو ستارت”، التي وقعت في عام 2010، تضع قيوداً على عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية التي يمكن لكل من روسيا والولايات المتحدة نشرها، بالإضافة إلى الصواريخ والقاذفات التي تحملها. وقد وفرت المعاهدة إطاراً للشفافية من خلال عمليات التفتيش المتبادلة، مما ساهم في بناء الثقة وتقليل مخاطر الحسابات الخاطئة. ورغم تمديدها لمدة خمس سنوات في عام 2021، علقت روسيا مشاركتها فيها في فبراير 2023، متهمة واشنطن بانتهاك روح الاتفاقية عبر دعمها لأوكرانيا، قبل أن تنتهي صلاحيتها رسمياً.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة
إن انهيار معاهدة “نيو ستارت” وإعلان بوتين عن أولوية تطوير الترسانة النووية يحمل تداعيات عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
على الصعيد الدولي: يفتح هذا التطور الباب أمام سباق تسلح جديد وغير مقيد بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم. كما أنه يضع ضغوطاً على قوى نووية أخرى، مثل الصين، التي تعمل على توسيع ترسانتها بسرعة، للدخول في هذا السباق، مما يخلق بيئة أمنية عالمية أكثر خطورة وتعقيداً. إن غياب آليات التحقق والشفافية يزيد من خطر سوء التقدير والنزاع العرضي.
على الصعيد الإقليمي: تثير هذه الخطوة قلقاً بالغاً لدى دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خاصة في أوروبا الشرقية، حيث يُنظر إليها على أنها رسالة تهديد مباشرة. وقد يدفع ذلك دول الحلف إلى زيادة إنفاقها العسكري وتعزيز وضعها الدفاعي، مما يؤدي إلى مزيد من العسكرة في القارة الأوروبية.
على الصعيد المحلي: داخلياً، يستخدم بوتين الخطاب النووي لتعزيز صورته كقائد قوي يدافع عن سيادة روسيا ومصالحها في وجه ما يصفه بالعدوان الغربي. كما يوجه موارد الدولة نحو المجمع الصناعي العسكري، مؤكداً على أن روسيا ستستفيد من الخبرات المكتسبة في الحرب الأوكرانية لتعزيز قدرات جيشها وبحريتها في جميع المجالات.



