مقترح تشكيل قوة عسكرية أوروبية بديلة للقوات الأمريكية

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل القارة العجوز بشأن مستقبل الأمن الجماعي، دعا مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي، أندريوس كوبيليوس، دول التكتل إلى التفكير بجدية في تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة. يأتي هذا المقترح الجريء بهدف سد الفراغ المحتمل الذي قد يخلفه أي انسحاب أو تقليص للقوات الأمريكية المنتشرة في القارة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
تفاصيل المقترح: 100 ألف جندي لحماية أوروبا
طرح كوبيليوس، خلال خطاب ألقاه في السويد، رؤية لإنشاء "قوة عسكرية أوروبية دائمة وقوية" قوامها مئة ألف جندي. واعتبر المسؤول الأوروبي أن هذا الخيار بات ضرورياً لحماية القارة بشكل أفضل، متسائلاً بوضوح: "كيف سنستبدل القوة العسكرية الأمريكية الدائمة والمؤلفة من مئة ألف جندي والتي تشكّل العمود الفقري للقوة العسكرية في أوروبا؟". ويشير هذا التساؤل إلى إدراك عميق لحجم الاعتماد الأوروبي التاريخي على المظلة الأمنية الأمريكية.
السياق التاريخي: حلم الجيش الأوروبي الموحد
لم تكن فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد وليدة اللحظة، بل هي طموح يراود القادة الأوروبيين منذ عقود. فمنذ تأسيس الجماعة الأوروبية للدفاع في الخمسينيات (التي لم ترَ النور)، تتجدد الدعوات لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. ومع ذلك، لطالما اصطدمت هذه الطموحات بعقبات السيادة الوطنية، حيث تتردد الدول الأعضاء في التخلي عن إمرة جيوشها لصالح قيادة مركزية، مفضلة الاعتماد على حلف شمال الأطلسي (الناتو) كضامن أساسي للأمن.
دوافع التحرك الحالي: قلق من واشنطن وتهديد من موسكو
تكتسب هذه الدعوات زخماً جديداً في ظل المتغيرات الدولية الراهنة. تتزايد شكوك الدول المنضوية في حلف الناتو حيال استمرارية الالتزام الأمريكي غير المشروط، لا سيما مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الواجهة وتصريحاته السابقة التي شككت في جدوى التحالفات التقليدية، بالإضافة إلى تركيز واشنطن المتزايد على مواجهة النفوذ الصيني في المحيط الهادئ، مما قد يعني تقليص الموارد المخصصة لأوروبا.
في المقابل، شكلت الحرب في أوكرانيا جرس إنذار للدول الأوروبية، دافعة إياها لتكثيف جهود تدعيم جيوشها لمواجهة التهديد الروسي المباشر. ويرى مراقبون أن أوروبا لم تعد تملك رفاهية الاعتماد الكلي على الحليف الأمريكي في ظل بيئة أمنية شديدة الاضطراب.
مجلس أمن أوروبي وتغيير ديناميات الحرب
وإلى جانب القوة العسكرية، دعا كوبيليوس، وهو رئيس وزراء ليتوانيا الأسبق، إلى إنشاء "مجلس أمن أوروبي" يضم القوى الرئيسية في القارة، مع إمكانية ضم بريطانيا لضمان تنسيق أمني أوسع بعد البريكست. وشدد على أن مهمة هذا الكيان يجب أن تتركز على مناقشة القضايا الدفاعية الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها تغيير ديناميات الحرب في أوكرانيا لضمان عدم خسارة كييف، مما يعكس رغبة أوروبية في امتلاك أدوات القرار الاستراتيجي بعيداً عن الهيمنة الخارجية.



