مكتبة المسجد النبوي: 15 ألف كتاب لخدمة اللغة العربية

تعتبر مكتبة المسجد النبوي في المدينة المنورة واحدة من أهم المعالم الثقافية والحضارية في العالم الإسلامي، حيث تمثل جسراً يربط بين أصالة التراث الإسلامي وتقنيات العصر الحديث. ومع احتواء أرففها الحالية على أكثر من 15 ألف كتاب متخصص في علوم اللغة العربية، تؤكد المكتبة دورها الريادي في حماية لغة الضاد وتعزيز حضورها، خاصة تزامناً مع الفعاليات الثقافية العالمية مثل اليوم العالمي للغة العربية.
تاريخ عريق يمتد لما قبل القرن التاسع الهجري
لا تعد المكتبة وليدة العصر الحديث فحسب، بل تمتد جذورها إلى عمق التاريخ الإسلامي، حيث ارتبطت نشأتها بالدور التعليمي للمسجد النبوي الشريف. وتشير المصادر التاريخية الموثوقة إلى أن المكتبة كانت كياناً قائماً وفاعلاً قبل الحريق الشهير الذي أصاب المسجد النبوي في 13 رمضان عام 886هـ (الموافق 14 نوفمبر 1481م). في تلك الحقبة، كانت المكتبة تضم خزائن مليئة بالمصاحف والكتب النفيسة التي التهمتها النيران، مما يدل على العناية المبكرة بالعلم وتدوين المعرفة في رحاب المسجد النبوي منذ قرون طويلة.
وفي العهد السعودي الزاهر، شهدت المكتبة نقطة تحول كبرى بإعادة تأسيسها رسمياً في عام 1352هـ (1933م) بأمر من الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود -رحمه الله-. كان الهدف الاستراتيجي من هذه الخطوة هو جعل المكتبة منارة إشعاع علمي تخدم طلاب العلم والباحثين وزوار الحرمين الشريفين، مما يعكس اهتمام المملكة العربية السعودية منذ نشأتها بالحفاظ على التراث الإسلامي ونشره.
كنوز لغوية ومخطوطات نادرة
اليوم، تفخر مكتبة المسجد النبوي باحتضانها مجموعة ضخمة تتجاوز 15 ألف مجلد في علوم اللغة العربية وحدها. وتتنوع هذه المصادر لتشمل أمهات الكتب في النحو، والصرف، والبلاغة، والأدب، وفقه اللغة. ولا تقتصر مقتنيات المكتبة على الكتب المطبوعة حديثاً، بل تضم شروحاً وحواشي ومؤلفات تراثية نادرة، مما يجعل منها مرجعاً أساسياً وقبلة للباحثين والأكاديميين المهتمين بدراسة لغة القرآن الكريم وفهم دلالاتها العميقة.
خدمات تقنية وبيئة بحثية متكاملة
لم تتوقف المكتبة عند حدود الحفظ التقليدي للكتب، بل واكبت التطور التقني المتسارع من خلال أقسام متخصصة تشمل:
- المكتبة الرقمية: التي تتيح البحث الإلكتروني والوصول السريع للمعلومات عبر قواعد بيانات متطورة.
- قسم المخطوطات: الذي يعنى بحفظ النوادر وترميمها وتعقيمها بأحدث الأجهزة التقنية لضمان بقائها للأجيال القادمة.
- قسم الصوتيات: الذي يوثق دروس وخطب المسجد النبوي، مما يحفظ الذاكرة العلمية للمسجد ويسهل الرجوع إليها.
إثراء تجربة الزوار وخدمة ضيوف الرحمن
تتكامل جهود مكتبة المسجد النبوي مع التوجهات العامة للمملكة في إثراء تجربة الزوار والمعتمرين والحجاج. فالمكتبة لا تقدم المعرفة المجردة فحسب، بل تقدم تجربة ثقافية متكاملة تتيح لضيوف الرحمن من شتى بقاع الأرض استثمار أوقاتهم في الاطلاع والبحث في أجواء إيمانية روحانية. وتعد هذه الخدمات جزءاً أصيلاً من منظومة العناية التي توليها الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، لضمان توفير بيئة تعبدية وعلمية راقية تليق بقدسية المكان ومكانة اللغة العربية.



