مهرجان المأكولات الشعبية بالعوامية: 20 طبقاً تراثياً

في خطوة تعكس عمق التراث الثقافي للمملكة العربية السعودية، دشنت هيئة فنون الطهي فعاليات «مهرجان المأكولات الشعبية» في مشروع الرامس بوسط العوامية في المنطقة الشرقية. ويأتي هذا الحدث ليقدم للزوار تجربة تذوقية فريدة وتفاعلية تجوب بهم عبر مناطق المملكة الخمس، بهدف توثيق الإرث الغذائي الوطني وإعادة تقديمه بلمسات احترافية تجمع بين أصالة الماضي وحداثة العرض.
أهمية المهرجان في سياق رؤية 2030
لا يعد هذا المهرجان مجرد فعالية ترفيهية عابرة، بل يأتي ضمن استراتيجية وطنية شاملة تقودها وزارة الثقافة وهيئة فنون الطهي لتعزيز الهوية الوطنية. فالمطبخ السعودي يُعد جزءاً لا يتجزأ من التراث غير المادي للمملكة، وتوثيقه يساهم في حفظ التاريخ الاجتماعي للأجيال القادمة. وتنسجم هذه الجهود مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تسعى لجعل الثقافة نمط حياة ومحركاً للنمو الاقتصادي، حيث يُنظر لقطاع الطهي كقوة ناعمة تعزز من مكانة المملكة سياحياً وثقافياً على الخارطة الدولية.
رحلة عبر مناطق المملكة في مطبخ مفتوح
تحولت ساحات مشروع ”الرامس“ إلى مطبخ مفتوح ينبض بالحياة، حيث اجتمع طهاة سعوديون محترفون حول مائدة وطنية واحدة لتقديم أكثر من 20 صنفاً تراثياً موزعة على 6 أجنحة تمثل التنوع الجغرافي للمملكة. هذا التنوع يعكس الثراء البيئي لكل منطقة، مما يتيح للزوار استكشاف الفوارق الدقيقة والنكهات المميزة التي شكلتها طبيعة كل إقليم.
وفي جولة على الأجنحة، أوضحت الشيف نورة العريفي، التي مثلت المنطقة الغربية رغم كونها ابنة الشرقية في دلالة على الوحدة الثقافية، أن المهرجان يربط الطعام بالمناسبات الاجتماعية. واستعرضت العريفي أطباق الحجاز الشهيرة مثل ”المنتو“ المحشو باللحم والبصل، و”البليلة“، و”السليق“ الطائفي، بالإضافة إلى ”شوربة الحب“ التي تعتبر سيدة الموائد الرمضانية.
نكهات من نجد والشمال والجنوب
من قلب نجد، قدم الشيف عبدالله لبي أطباق المنطقة الوسطى التي تتميز بالدسامة والدفء المناسب للأجواء الصحراوية، مثل ”الجريش“ و”المطازيز“ و”كبيبة حايل“، إلى جانب الحلويات الشتوية كـ ”الحنيني“ و”الكليجا“ القصيمية. أما المنطقة الشمالية، فقد كشفت الشيف منيرة عبدالله عن أطباق تعتمد كلياً على موارد البيئة المحلية، مثل ”المليحية“ و”البكيلة“ المصنوعة من نبتة السمح البرية، وطبق ”الفقيع“ المعتمد على الكمأة، مما يسلط الضوء على كنوز الحدود الشمالية الغذائية.
وفي ركن الجنوب، أبدعت الشيف سكينة الفرحان في تقديم ”العريكة الجنوبية“ وخبز ”الميفا“، مؤكدة على الدعم الكبير الذي توليه الهيئة للطهاة الشباب لإبراز هذا التنوع.
المنطقة الشرقية: المستضيف والأصالة
بصفتها المنطقة المستضيفة، تألقت الأطباق الشرقية عبر الشيف تهاني عبدالله من الأحساء، التي قدمت طبق ”مفلق الربيان“ كأيقونة شتوية تعتمد على القمح والربيان، إلى جانب ”الهريس“ و”القيمات“. وأشارت الشيف تهاني إلى الدور الحيوي للمهرجان في تعريف الأجيال الجديدة بأطباق كادت أن تندثر، معيدةً لها الاعتبار كجزء من الهوية الحساوية والقطيفية.
تجربة متكاملة وتأثير مستدام
لم تقتصر التجربة على المأكولات، بل امتدت لتشمل المشروبات الساخنة التقليدية، حيث أوضح الباريستا عمر حسن تقديم ”قهوة اللوز“ الحجازية و”حليب الزعفران“ النجدي و”اللومي الحساوي“. ويُتوقع أن يكون لهذا المهرجان تأثير إيجابي ملموس على السياحة الداخلية في المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى دوره في دعم الأسر المنتجة والطهاة المحليين، مما يعزز من استدامة المهن المرتبطة بالتراث الغذائي السعودي.



