النحت على جذوع النخيل في مهرجان الصقور: إبداع يوثق الهوية

شهد ركن فن النحت على جذوع النخيل إقبالاً لافتاً وتفاعلاً كبيراً من زوار مهرجان الصقور بمنطقة الحدود الشمالية، حيث تحولت ساحات المهرجان إلى معرض فني مفتوح يعكس عمق الهوية الوطنية. وقد استمتع الزوار بالمهارات الإبداعية التي قدمها النحات السعودي "أحمد العيد"، الذي نجح في تحويل خامات البيئة المحلية إلى تحف فنية تنطق بالأصالة.
رحلة ثلاثة عقود من الإبداع
يمتلك الفنان أحمد العيد خبرة تمتد لأكثر من 30 عاماً في هذا المجال الحرفي الدقيق، وهي موهبة نبعت من صميم البيئة التي عاش فيها بين أحضان مزارع النخيل في مزرعة والده. لم تكن هذه العلاقة مع النخلة مجرد زراعة وحصاد، بل تحولت إلى شغف فني يهدف إلى استكشاف الجمال الكامن في تفاصيل هذه الشجرة المباركة. وقد تمكن العيد من جذب أنظار الكثيرين لهذا الفن عبر تحويله لزوائد النخيل وبقايا الجذوع إلى قطع فنية نادرة، متجلياً بمهارات استثنائية في استغلال خامات الطبيعة وإعادة تدويرها بدلاً من التخلص منها.
رمزية النخلة في الذاكرة السعودية
لا يقتصر هذا الفن على الجانب الجمالي فحسب، بل يحمل أبعاداً تاريخية وثقافية عميقة. فالنخلة تمثل الرمز الوطني للمملكة العربية السعودية، وشعاراً للكرم والعطاء، ورفيقة للإنسان السعودي عبر العصور. يأتي هذا الاهتمام بالنحت على جذوعها كجزء من الحفاظ على الموروث الشعبي، حيث كانت النخلة في الماضي مصدراً للغذاء والكساء والبناء. واليوم، يعيد الحرفيون صياغة هذا الدور بأسلوب عصري يخلد مكانة النخلة كعنصر أساسي في التراث غير المادي للمملكة، والذي يحظى باهتمام عالمي وتوثيق لدى منظمات التراث الدولية.
الاستدامة والفن: رؤية عصرية للتراث
يُعد فن النحت على جذوع النخيل نموذجاً حياً لمفهوم الاستدامة البيئية، حيث يعتمد بشكل أساسي على إعادة تدوير مخلفات النخيل والاستفادة من كافة أجزائها لإنتاج قطع فنية ذات قيمة مادية ومعنوية. يتماشى هذا التوجه مع مستهدفات الرؤية الوطنية التي تشجع على الحفاظ على البيئة ودعم الحرف اليدوية المستدامة. فبدلاً من حرق المخلفات الزراعية أو تكديسها، يتم تحويلها إلى منتجات سياحية وثقافية تبرز جماليات الطبيعة السعودية.
دور المهرجانات في تعزيز الهوية
يلعب مهرجان الصقور بمنطقة الحدود الشمالية دوراً محورياً في تسليط الضوء على مثل هذه المواهب، حيث يُعد منصة ثقافية تجمع بين تراث الصقارة والفنون الحرفية المرتبطة بالبيئة الصحراوية والزراعية. يساهم هذا المزيج في تعزيز السياحة التراثية في المنطقة، وتعريف الأجيال الجديدة والزوار من مختلف المناطق بمدى ثراء وتنوع الثقافة السعودية، وكيف يمكن للفنان المحلي أن يطوع الطبيعة القاسية ليصنع منها جمالاً خالداً.



