فلكية جدة تحسم حقيقة المذنب 3I/أطلس: هل هو مركبة فضائية؟

حسمت الجمعية الفلكية بجدة الجدل الدائر حول طبيعة المذنب بين النجمي "3I/أطلس"، مفندة المزاعم التي انتشرت مؤخراً والتي تروج لكونه مركبة فضائية أو كياناً اصطناعياً قادماً من حضارة أخرى. وأكد رئيس الجمعية، المهندس ماجد أبو زاهرة، أن هذه التكهنات تفتقر إلى أي أساس علمي، مشدداً على أن البيانات الرصدية الحديثة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك الطبيعة المذنبية لهذا الجرم السماوي.
حقيقة التسارع غير الجاذبي
أوضح أبو زاهرة أن اللغط المثار استند بشكل خاطئ إلى رصد ما يُعرف بـ«التسارع غير الجاذبي» لدى المذنب، وهي ظاهرة فيزيائية طبيعية وشائعة جداً في عالم المذنبات. وأشار إلى بحث علمي جديد نُشر في "مجلة الملاحظات البحثية للجمعية الفلكية الأمريكية"، أثبت أن هذا التسارع ناتج عن اندفاعات الغاز والجليد من نواة المذنب عند اقترابه من الشمس.
وتعمل هذه الانبعاثات الغازية كدوافع نفاثة طبيعية تشبه في عملها المحركات الصاروخية الصغيرة، مما يؤدي إلى انحراف طفيف في مسار المذنب عن المدار الذي تفرضه الجاذبية وحدها، وهو سلوك رُصد في مئات المذنبات داخل نظامنا الشمسي ولا يشير إطلاقاً إلى وجود تقنية ذكية.
أدلة رصدية دقيقة وأرقام حاسمة
استندت الدراسة الحاسمة إلى قياسات فلكية عالية الدقة تم جمعها بواسطة مركبة «سايكي» التابعة لوكالة ناسا، ومركبة «مارس تريس غاس أوربتر» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. وقد كشفت النتائج عن تطابق تام بين خصائص "3I/أطلس" والمذنبات التقليدية، حيث قُدرت كتلة المذنب بنحو 44 مليون طن متري، ويتراوح نصف قطره بين 260 و370 متراً.
وبلغ مقدار التسارع غير الجاذبي المرصود حوالي 5 × 10⁻⁷ متر في الثانية المربعة، وهي قيمة تتسق تماماً مع معدلات انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون المرصودة منه، مما ينفي الحاجة لافتراض أي تفسيرات "خارقة" أو غير طبيعية.
سياق تاريخي: زوار من خارج النظام الشمسي
يأتي اكتشاف المذنب "3I/أطلس" كجزء من سلسلة اكتشافات حديثة للأجرام بين النجمية (Interstellar Objects) التي تعبر نظامنا الشمسي. فقد سبقه الجرم الشهير «1I/أومواموا» في عام 2017، والذي أثار جدلاً واسعاً بسبب شكله الغريب وعدم رصد ذيل غازي واضح له آنذاك، ثم المذنب «2I/بوريسوف» في عام 2019 الذي كان مذنباً واضح المعالم.
وعلى عكس «أومواموا» الذي فتح الباب لفرضيات الأشرعة الضوئية بسبب غموض خصائصه، فإن "3I/أطلس" يظهر نشاطاً غازياً واضحاً يفسر حركته بدقة، مما يجعله أقرب في طبيعته للمذنب بوريسوف وللمذنبات المحلية المعروفة.
أهمية علمية تتجاوز الخيال
رغم نفي كونه مركبة فضائية، إلا أن القيمة العلمية للمذنب "3I/أطلس" لا تقل أهمية. فهذه الأجرام القادمة من الفضاء السحيق تعتبر بمثابة "رسل كونية" تحمل عينات مادية من أنظمة نجمية أخرى تشكلت حول نجوم بعيدة. وتتيح دراسة هذه الأجرام للعلماء فرصة نادرة لفهم التركيب الكيميائي لمناطق المجرة الأخرى ومقارنتها بنظامنا الشمسي، مما يسهم في تطوير نظرياتنا حول نشأة الكواكب وتطور الحياة في الكون، وذلك دون الحاجة لإرسال مسابير تقطع مسافات مستحيلة للوصول لتلك النجوم.



