أخبار العالم

هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها بدون أمريكا؟ الناتو يجيب

في تصريحات حاسمة أمام البرلمان الأوروبي في بروكسل، وضع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، حداً للتكهنات والدعوات المتصاعدة داخل القارة العجوز حول إمكانية الاستقلال الدفاعي عن الولايات المتحدة. وأكد روته أن أوروبا لا تملك القدرة حالياً، ولا في المستقبل المنظور، على حماية نفسها بمعزل عن الحليف الأمريكي، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.

أوهام الاستقلال الدفاعي والتكلفة الباهظة

وجه روته رسالة مباشرة وشديدة اللهجة للنواب الأوروبيين قائلاً: "إن كان أي شخص هنا ما زال يعتقد أن الاتحاد الأوروبي، أو أوروبا ككل، يمكنها الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، فليستمر في الحلم، لا يمكنكم ذلك". تأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه الأصوات المطالبة بـ "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي، وهي دعوات تعززت مؤخراً بعد الخلافات الدبلوماسية حول جزيرة غرينلاند.

وأوضح الأمين العام أن تكلفة هذا الاستقلال الافتراضي ستكون فلكية؛ فإذا أراد الأوروبيون بناء تحالف دفاعي بديل، سيتعين عليهم رفع إنفاقهم الدفاعي بشكل كبير جداً. فبدلاً من نسبة 2% أو 5% التي يجري الحديث عنها حالياً، سيحتاجون إلى تخصيص ما لا يقل عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع، بالإضافة إلى إنفاق مئات المليارات لتطوير قدرات ردع نووي مستقلة، وهو أمر قد يؤثر بشكل جذري على رفاهية الاقتصاد الأوروبي ونماذج الرعاية الاجتماعية القائمة.

السياق التاريخي والمظلة النووية

لفهم عمق تصريحات روته، يجب النظر إلى السياق التاريخي لحلف الناتو الذي تأسس عام 1949 لمواجهة التمدد السوفيتي آنذاك. منذ ذلك الحين، شكلت الولايات المتحدة العمود الفقري للأمن الأوروبي، موفرةً ما يعرف بـ "المظلة النووية" التي ضمنت استقرار القارة لعقود. وأشار روته إلى أن الانفصال عن واشنطن يعني "خسارة الضمانة القصوى لحريتنا"، في إشارة إلى الترسانة النووية والقدرات اللوجستية الأمريكية الهائلة التي لا يملك الأوروبيون بديلاً لها.

مارك روته يتحدث عن الدفاع الأوروبي والناتو

المادة الخامسة والالتزام الأمريكي

رغم اللهجة الحادة بشأن القدرات الأوروبية، طمأن روته الحلفاء بأن واشنطن لا تزال ملتزمة تماماً بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف، التي تنص على أن أي هجوم على عضو هو هجوم على الجميع. وأكد أن الولايات المتحدة تدرك أن مصالحها الاستراتيجية مرتبطة بوجود منطقة يورو-أطلسية آمنة، وأن الناتو يخدم الأمن القومي الأمريكي بقدر ما يخدم الأمن الأوروبي.

مخاطر الجيش الأوروبي الموحد

وفي سياق متصل، انتقد روته بشدة المقترح الذي طرحه مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي، أندريوس كوبيليوس، بشأن تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة بديلة للقوات الأمريكية. واعتبر روته أن خطوة كهذه ستزيد المشهد الأمني تعقيداً وتشتتاً، مضيفاً بتهكم مبطن: "أعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيحب ذلك"، مشيراً إلى أن أي شرخ في التحالف الغربي يصب مباشرة في مصلحة الخصوم الاستراتيجيين للناتو.

قضية غرينلاند والقطب الشمالي

وحول التوتر الأخير بشأن غرينلاند، أوضح روته أنه ناقش الأمر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واتفقا على ضرورة أن يتحمل الناتو "مسؤولية أكبر في الدفاع عن الدائرة القطبية الشمالية" نظراً لأهميتها الاستراتيجية المتزايدة مع ذوبان الجليد وفتح ممرات ملاحية جديدة. ومع ذلك، شدد على أن المفاوضات حول الوجود الأمريكي في الجزيرة هي شأن سيادي بين الدنمارك، وسلطات غرينلاند، والولايات المتحدة، وأنه كأمين عام للحلف لا يملك تفويضاً للتفاوض نيابة عن كوبنهاغن.

واختتم روته حديثه بالتذكير بالتضحيات المشتركة، مشيراً إلى أن الجنود الأوروبيين قاتلوا وسقطوا جنباً إلى جنب مع القوات الأمريكية في أفغانستان وغيرها، مما يعزز الرابطة الدموية والاستراتيجية التي تجمع ضفتي الأطلسي، والتي لا يمكن استبدالها بأي ترتيبات أمنية نظرية أخرى.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى