التراث والثقافة

نجران: الأواني التراثية تعيد إحياء عادات رمضان الأصيلة

مع حلول شهر رمضان المبارك، تعود منطقة نجران لتتزين بأصالتها وعاداتها المتجذرة في عمق التاريخ، حيث تبرز الأواني التراثية كعنصر أساسي لا يغيب عن البيوت والموائد، مجسدةً ارتباط الأجيال الحاضرة بماضيها العريق. هذه الأواني ليست مجرد أدوات للطبخ والتقديم، بل هي رموز للكرم والضيافة، وحكايات من التراث تُروى مع كل وجبة إفطار، لتعيد إحياء العادات الرمضانية القديمة وتعزز الروابط الأسرية والاجتماعية.

خلفية تاريخية: نجران مهد الحرف اليدوية

تقع نجران في جنوب المملكة العربية السعودية، وتتمتع بتاريخ ثري يعود لآلاف السنين، حيث كانت محطة حيوية على طريق البخور التجاري القديم. هذا العمق التاريخي انعكس على ثقافتها وحرفها اليدوية، التي اعتمدت على الموارد الطبيعية للمنطقة. فمن جبالها الشاهقة، استُخرج الحجر الصابوني (الحرض) لنحت الأواني الحجرية المتينة، ومن نخيلها الباسق، صُنعت السلال والأغطية من الخوص، ومن جلود مواشيها، أُبدعت الزخارف الملونة التي تضفي لمسة جمالية فريدة. هذه الحرف لم تكن مجرد صناعات، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من هوية المجتمع النجراني وأسلوب حياته.

“المدهن” و”الرقش”: أيقونات المائدة النجرانية

تشهد الأسواق الشعبية والتراثية في نجران خلال شهر رمضان إقبالاً متزايداً من الأهالي والزوار على شراء المنتجات التراثية. ويأتي في مقدمة هذه الأواني “المدهن” الحجري، الذي يُعد القطعة الأكثر شعبية. يتميز “المدهن” بنحته الدقيق وتجويفه المصقول، ويتوفر بأحجام متنوعة تبدأ من الصغيرة المناسبة لوجبة خفيفة، وصولاً إلى الأحجام الكبيرة التي تكفي لتقديم وليمة كاملة. يُغطى “المدهن” بغطاء مصنوع من “الخوص” المجدول بإحكام، والمُزيّن بقطع من الجلد الملون بالأحمر والأبيض والأسود، مما يجعله تحفة فنية بحد ذاته. ويشتهر “المدهن” بكونه الوعاء التقليدي لتقديم وجبة “الرقش”، وهي الطبق الرئيسي على مائدة الإفطار النجرانية، حيث يحتفظ الحجر بحرارة الطعام لفترة طويلة، مما يضمن تقديمه ساخناً للضيوف.

أهمية ثقافية واقتصادية متجددة

إن إحياء استخدام هذه الأواني التراثية يتجاوز مجرد الحنين إلى الماضي، ليمثل دوراً حيوياً في تعزيز الهوية الوطنية والحفاظ على التراث الثقافي غير المادي للمملكة. فعلى الصعيد المحلي، يسهم هذا التقليد في تقوية الروابط الاجتماعية، حيث تجتمع العائلات حول أطباق تعبق برائحة التاريخ. كما أنه يدعم الحرفيين المحليين ويضمن استمرارية صناعاتهم اليدوية، مما يوفر مصدراً للدخل ويحافظ على المهارات التقليدية من الاندثار. وعلى نطاق أوسع، يتماشى هذا الاهتمام بالتراث مع أهداف رؤية السعودية 2030 الرامية إلى إبراز الثقافة السعودية الغنية وجعل المملكة وجهة سياحية ثقافية عالمية، حيث يجد السياح في نجران تجربة أصيلة وفريدة تعكس التنوع الثقافي للمملكة.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى