التراث والثقافة

مجالس البيوت الطينية: رمز الكرم والهوية في التراث السعودي

مجالس البيوت الطينية التراثية

تعد مجالس البيوت الطينية في القرى والبلدات القديمة بالمملكة العربية السعودية أحد أبرز الملامح الاجتماعية والثقافية التي شكلت وجدان المجتمع لقرون طويلة. لم تكن هذه الأماكن مجرّد فراغات معمارية تقليدية صماء، بقدر ما كانت فضاءات حيّة نابضة بالتفاعل الإنساني، تتشكّل فيها العلاقات، وتُصاغ من خلالها ملامح الهوية الوطنية، وتُحفظ بين جدرانها الذاكرة الجمعية لأبناء المكان.

العبقرية المعمارية وتوظيف البيئة

تميزت العمارة الطينية في الجزيرة العربية بعبقرية فطرية استطاعت تطويع الموارد الطبيعية المتاحة لخدمة الإنسان. فقد بُنيت هذه المجالس من الطين والتبن وجذوع أشجار الأثل وسعف النخيل، وهي مواد تتميز بخصائص عزل حراري فائقة، مما يجعل المجالس باردة صيفاً ودافئة شتاءً. وكان تصميم المجلس يراعي دائماً الخصوصية وحسن الوفادة، حيث يقع عادة بالقرب من المدخل الرئيسي للبيت، ويحتوي على “الوجار” (موقد النار) الذي يعد الركن الأساسي لإعداد القهوة العربية، رمز الكرم والضيافة.

شواهد حية في الحدود الشمالية

وفي قرى منطقة الحدود الشمالية، برزت هذه المجالس كمعالم تاريخية لا تزال أطلالها تروي قصص الماضي. في قرية “لينة” التاريخية، التي تعد من أقدم مستوطنات المنطقة، وكذلك في “لوقة” و”الدويد” و”أم رضمة”، لعبت المجالس دوراً محورياً بوصفها القلب النابض للحياة اليومية. لم تكن مجرد أماكن للجلوس، بل كانت محطات لاستقبال الضيوف وعابري السبيل والقوافل التجارية، ومنطلقاً للحكايات والقصائد التي تناقلتها الأجيال، حتى غدت جزءًا لا يتجزأ من ملامح المكان وروحه.

الدور الاجتماعي والتربوي للمجلس

تجاوزت وظيفة المجالس الطينية حدود الضيافة لتصبح مؤسسات اجتماعية وتربوية غير رسمية. ففيها كان يتعلم الصغار من الكبار “السلوم” والعادات والتقاليد، وآداب الحديث والاستماع. وكانت هذه المجالس بمثابة برلمانات مصغرة يتم فيها حل النزاعات بين الأهالي، ومناقشة شؤون القرية، واتخاذ القرارات التي تهم الجماعة. هذا الدور المحوري عزز من تماسك النسيج الاجتماعي ورسخ قيم التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع.

شعور الألفة والانتماء

ورغم بساطة تلك المجالس ومحدودية مساحاتها مقارنة بالمباني الحديثة، إلا أنها كانت تتّسع للجميع بقلوب أهلها، تحتضن الحشود ولا تضيق بضيوفها، وكأنها خُلقت لتمنح الإنسان شعور الألفة والانتماء. فجدرانها الطينية، التي حفرت فيها تشققات الزمن، لم تكن علامات وهن، بل شواهد حيّة على أعمارٍ مضت، وحكايات تعاقبت، وأجيال مرّت وخلّفت أثرها في تفاصيل البيوت والأفنية.

ولم تُشيَّد تلك المجالس وفق مقاييس الترف أو مظاهر التكلف، بل بُنيت من مواد البيئة المحيطة، بما يلبّي الحاجة ويعكس بساطة العيش ونقاء السجية. واليوم، مع اهتمام المملكة بإحياء التراث العمراني ضمن رؤية 2030، تعود هذه المجالس لتكون وجهات سياحية وثقافية تروي للعالم قصة إنسان هذه الأرض وكرمه الأصيل.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى