علاج البهاق: تقنيات حديثة تعزز فرص استعادة لون الجلد

أكد نخبة من الأطباء والمختصين أن علاج البهاق شهد قفزة نوعية في السنوات الأخيرة بفضل التقنيات الطبية الحديثة التي تعزز فرص استعادة التصبغ الطبيعي للجلد. وأوضح الخبراء أن البهاق هو مرض جلدي مناعي غير معدٍ، ينتج عن مهاجمة الجهاز المناعي للخلايا الصبغية (الميلانين) المسؤولة عن لون البشرة، مما يؤدي إلى ظهور بقع بيضاء في مناطق متفرقة من الجسم. وأشاروا بمناسبة اليوم العالمي للبهاق إلى أن التشخيص المبكر والمتابعة الطبية المستمرة يمثلان حجر الزاوية في تحقيق أفضل النتائج العلاجية والحد من انتشار المرض.
تاريخ التوعية بالمرض والجهود العالمية لمكافحة الوصمة
يُحتفل باليوم العالمي للبهاق في 25 يونيو من كل عام، وهو تاريخ تم اختياره لإحياء ذكرى الفنان العالمي مايكل جاكسون الذي عانى من هذا المرض وساهم في تسليط الضوء عليه عالمياً. تاريخياً، واجه المصابون بالبهاق تحديات اجتماعية ونفسية هائلة نتيجة المفاهيم الخاطئة والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض، حيث كان يُعتقد خطأً أنه مرض معدٍ أو ناتج عن سوء النظافة. تهدف هذه الحملات السنوية إلى تصحيح هذه المعتقدات الخاطئة، ونشر الوعي بأن البهاق لا يؤثر على قدرات الفرد أو عطائه، بل يتطلب تفهماً ودعماً مجتمعياً ونفسياً مستمراً لمساعدة المرضى على الاندماج والتعايش الإيجابي.
تقنيات متطورة وطفرة علمية في علاج البهاق
أوضحت الدكتورة إنعام باهر الدمنهوري، استشارية الجلدية بمستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر، أن الفقدان التدريجي للميلانين قد يؤثر على أي جزء من الجسم، بما في ذلك الوجه والأطراف، وحتى لون الشعر. وأشارت إلى أن الأسباب الدقيقة للمرض لا تزال قيد البحث، لكنها ترتبط باضطرابات المناعة الذاتية والعوامل الوراثية، إلى جانب محفزات كالإجهاد النفسي أو حروق الشمس الشديدة.
من جهتها، كشفت الدكتورة منهال حسين الهاشم، استشارية أمراض وجراحة الجلد والتجميل الحاصلة على البورد الأمريكي، عن حدوث طفرة حقيقية في علاج البهاق عبر استخدام مثبطات المناعة الموجهة المعروفة باسم (JAK Inhibitors). ويأتي على رأس هذه العلاجات كريم ‘روكسوليتينيب’ (Opzelura)، وهو أول علاج موضعي مرخص خصيصاً لإعادة التصبغ، بالإضافة إلى أدوية واعدة أخرى مثل ‘Ritlecitinib’ و’Upadacitinib’ التي تمر بمراحل متقدمة من الاعتمادات الطبية.
زراعة الخلايا الصبغية والحلول الجراحية المتقدمة
لم يعد العلاج مقتصراً على الكريمات الموضعية؛ بل تمتد الخيارات العلاجية لتشمل زراعة الخلايا الصبغية كخيار متقدم للحالات المستقرة التي لم تستجب للعلاجات الدوائية التقليدية. وتتم هذه العملية عبر أخذ عينة صغيرة من الجلد السليم، وفصل الخلايا الصبغية مخبرياً، ثم إعادة زراعتها في المناطق المصابة لتحفيز استعادة اللون الطبيعي.
كما تؤكد الدكتورة منهال الهاشم على أهمية التغذية الداعمة، حيث يُنصح المرضى بتناول الأغذية الغنية بفيتامينات B12، C، E، وحمض الفوليك، والزنك، والنحاس، مع ضرورة مراقبة مستويات فيتامين D وتعويض أي نقص فيه لتعزيز استجابة الجسم للعلاج.
التشخيص المبكر والتقييم الطبي الشامل للمريض
وفي سياق متصل، شدد الدكتور ضيف الله بن هايف الغويري، استشاري الأمراض الجلدية وجراحة الجلد والليزر، على أن البهاق قد يرتبط أحياناً بأمراض مناعية أخرى مثل اضطرابات الغدة الدرقية وداء السكري من النوع الأول. هذا الارتباط يجعل التقييم الطبي الشامل أمراً ضرورياً لاستبعاد الأمراض المشابهة ووضع خطة علاجية مخصصة لكل حالة. وأشار الغويري إلى أن الخيارات الحالية تشمل أيضاً العلاج الضوئي، وجهاز الإكزايمر ليزر، ومثبطات الكالسينيورين، مؤكداً أن التدخل المبكر يرفع نسب الشفاء بشكل ملحوظ.
الأثر الاجتماعي والدعم النفسي كركيزة أساسية للتعافي
من جانبها، أشارت الدكتورة ندى الغامدي، استشارية وأستاذ مساعد طب الجلدية بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، إلى أن الوصمة الاجتماعية والمفاهيم المغلوطة قد تكون أكثر إيلاماً للمريض من الأعراض الجسدية للمرض نفسه. وأكدت أن التوعية المجتمعية المكثفة تمثل جزءاً لا يتجزأ من بروتوكول العلاج الشامل، حيث يسهم الدعم الأسري والنفسي في تعزيز ثقة المريض بنفسه وتسهيل اندماجه في مجالات العمل والحياة الاجتماعية. وختم المختصون بالقول إن التصالح مع الذات والدعم النفسي هما رفيقا رحلة العلاج الناجحة نحو التعافي واستعادة جودة الحياة.



