مخاطر نمط الحياة المعاصر: نصائح د. محمد قانديه لصحة أفضل

في عصر تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي وتتغير فيه أنماط المعيشة بشكل جذري، باتت الصحة العامة تواجه تحديات غير مسبوقة لم يشهدها التاريخ البشري من قبل. لم تعد الأوبئة التقليدية هي العدو الأول للإنسان، بل حل محلها ما يعرف بـ "أمراض الحضارة" أو الأمراض غير السارية، التي تتسلل إلى الأجساد بصمت نتيجة الرفاهية المفرطة والعادات اليومية الخاطئة.
وفي حوار خاص وشامل لـ "اليوم"، دق استشاري طب الأسرة والمجتمع، الدكتور محمد بكر صالح قانديه، ناقوس الخطر حول التبعات الصحية لنمط الحياة المعاصر. وأكد أن الاعتماد الكلي على التقنية والإفراط في تناول الوجبات السريعة أصبحا يشكلان التهديد الأكبر، متسببين في ظهور أعراض الشيخوخة وأمراض القلب والسكري لدى فئات عمرية شابة، وهو ما يمثل تحولاً ديموغرافياً وصحياً مقلقاً يستدعي وقفة جادة.
ضريبة التكنولوجيا: من الرفاهية إلى المرض
أوضح الدكتور قانديه أن الهيمنة التقنية، رغم فوائدها الجمة في تسهيل الحياة، قد فرضت نمطاً من الخمول البدني القسري. فالساعات الطويلة التي يقضيها الأفراد خلف الشاشات، سواء للعمل أو الترفيه، أدت إلى تراجع معدلات النشاط الحركي إلى مستويات متدنية. هذا "الجلوس الطويل" لا يؤثر فقط على العضلات والمفاصل، بل يمتد تأثيره ليعطل عمليات الأيض في الجسم، مما يمهد الطريق للسمنة ومقاومة الأنسولين.
وأضاف أن "الفوضى الرقمية" وتداخل العالم الافتراضي مع الواقعي قد رفعا من معدلات التوتر والقلق، خاصة لدى الشباب والأطفال، حيث باتت المقارنات الاجتماعية المستمرة عبر منصات التواصل مصدراً دائماً للضغط النفسي.
الوجبات السريعة.. القاتل الصامت
وفي سياق متصل، أشار الاستشاري إلى أن التحول الغذائي العالمي نحو الوجبات السريعة قد غير الخارطة الصحية للمجتمعات. فهذه الوجبات المشبعة بالدهون المهدرجة، السكريات، والأملاح، تفتقر إلى القيمة الغذائية الحقيقية، وتعمل كوقود للأمراض المزمنة. وأكد أن ارتفاع معدلات الإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب بين الشباب ليس محض صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لهذا النظام الغذائي المختل، مقترناً بغياب الثقافة الرياضية.
خارطة طريق للوقاية والعلاج
لم يكتفِ الدكتور قانديه بتشخيص المشكلة، بل قدم رؤية متكاملة للحل، مشدداً على أن الطب الحديث بتقنياته المتطورة مثل الذكاء الاصطناعي والنانو تكنولوجي، ورغم قدرته الهائلة على التشخيص الدقيق والعلاج الموجه، لا يمكنه وحده صنع المعجزات دون تغيير سلوكي من المريض.
ودعا إلى ضرورة العودة إلى أساسيات الحياة الصحية التي تشمل:
- تنظيم الساعة البيولوجية: عبر النوم الكافي ليلاً لتعزيز المناعة.
- التوازن الغذائي: العودة إلى الطعام المنزلي الغني بالخضروات والألياف.
- النشاط البدني: جعل الحركة جزءاً لا يتجزأ من الروتين اليومي.
- الصحة النفسية: إدارة التوتر والابتعاد عن مصادر القلق الرقمي والتعصب الرياضي الذي يرهق القلب والأعصاب.
واختتم الدكتور حديثه بالتأكيد على أهمية الطب الوقائي، بما في ذلك الفحوصات الدورية للكشف المبكر عن الأمراض مثل سرطان الثدي ونقص الفيتامينات، والالتزام بجدول التطعيمات، معتبراً أن الوعي الصحي هو خط الدفاع الأول لحماية المجتمع من أمراض العصر.



