الإجازة المرضية للمريض النفسي.. حق أصيل يضمنه القانون الطبي

أكد استشاري الطب النفسي الدكتور عزة عبد العظيم، في تصريحات خاصة لصحيفة “اليوم”، أن الإجازة المرضية للمريض النفسي تعد حقاً أصيلاً ومشروعاً لا يقل أهمية عن الإجازات الممنوحة للأمراض العضوية. وأوضح أن هذا الحق يجب أن يُفعل متى كانت الحالة الصحية والنفسية للموظف تحول دون أدائه لمهامه الوظيفية بشكل طبيعي، أو إذا كان الاستمرار في العمل قد يؤدي إلى تدهور وضعه الصحي أو تأخر تماثله للشفاء.
تطور الوعي العالمي وأهمية الإجازة المرضية للمريض النفسي
تاريخياً، عانت الاضطرابات النفسية من تهميش واضح في بيئات العمل المختلفة، حيث كان يُنظر إليها غالباً على أنها نوع من التكاسل أو ضعف الإرادة الشخصية. ومع ذلك، شهدت العقود الأخيرة تحولاً جذرياً على المستويين الدولي والمحلي بفضل جهود منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الطبية الكبرى. هذا التحول أسهم في إعادة صياغة القوانين العمالية لتشمل الصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من السلامة المهنية الشاملة، مما جعل الاعتراف بحق المريض النفسي في الراحة خطوة أساسية نحو بناء مجتمعات منتجة وصحية.
معايير التقييم الطبي وكفاءة الأداء الوظيفي
وأوضح الدكتور عبد العظيم أن بعض المسؤولين في جهات العمل قد يستغربون منح المرضى النفسيين إجازات مرضية، نظراً لأن المريض يبدو سليماً تماماً من الناحية البدنية والجسدية وقادراً على الحركة. وأشار إلى أن التقييم الطبي النفسي لا يعتمد على المظهر الخارجي للموظف، بل يرتكز أساساً على الكفاءة الذهنية والانفعالية للمريض، ومدى قدرته على أداء مهامه الوظيفية بأمان ودقة ودون تعريض نفسه أو زملائه للخطر.
وبين أن قرار منح الإجازة يعود بالكامل للطبيب المعالج بناءً على معايير علمية دقيقة ومتعارف عليها عالمياً، تهدف إلى تقدير حاجة المريض الفعلية للراحة وفترة التعافي المطلوبة لاستعادة توازنه الطبيعي.
تأثير الأدوية النفسية والحالات التي تستدعي الراحة
وأضاف الاستشاري أن المريض قد يحتاج إلى الإجازة المرضية بشكل خاص عند بدء الخطة العلاجية أو تعديل الجرعات الدوائية. فالمراحل الأولى من العلاج قد تصاحبها أعراض جانبية شديدة مثل الخمول، النعاس المستمر، ضعف التركيز والانتباه، وتراجع القدرة على الاستيعاب السريع. هذه العوامل تؤثر سلباً وبشكل مباشر على جودة الأداء الوظيفي، مما يجعل الراحة ضرورة ملحة حتى يستجيب الجسم للعلاج ويتأقلم معه.
وضرب الدكتور عبد العظيم مثالاً بحالات الاكتئاب الشديد التي تفقد المريض الدافعية وتدفعه للانعزال التام، أو اضطرابات الذهان الحاد والفصام المصحوبة بالهلاوس السمعية أو البصرية ونوبات الهياج، والتي قد تشكل خطراً حقيقياً على المريض نفسه أو على زملائه ورؤسائه في العمل.
الأثر الإيجابي لمنح الإجازات النفسية على بيئة العمل
على الصعيدين المحلي والإقليمي، يسهم الاعتراف بالحقوق النفسية للموظفين في تقليل معدلات الاحتراق الوظيفي وزيادة الإنتاجية على المدى الطويل. وأكد الدكتور عبد العظيم أن منح الإجازة في الحالات المستحقة يحمي بيئة العمل من التوترات والصدامات غير المبررة، ويعزز من جودة المخرجات المهنية العامة.
وفي المقابل، حذر من إساءة استخدام هذا الحق، مؤكداً أن منح الإجازة يمثل أمانة مهنية وأخلاقية تقع على عاتق الطبيب، ولا ينبغي منحها إلا لمن يستحقها فعلياً لتجنب التهرب من المسؤوليات أو تحقيق مصالح شخصية. واختتم بالإشارة إلى أن العمل يظل علاجاً وداعماً أساسياً للاستقرار النفسي، خاصة في حالات مثل الوسواس القهري حيث يساعد الانشغال بالمهام اليومية في الحد من الأفكار الوسواسية، مؤكداً أن العودة للعمل بعد التعافي هي الخطوة الأهم لاستعادة التوازن والاندماج المجتمعي الفعال.


