تعدد اللغات يبطئ الشيخوخة ويحمي الدماغ: دراسة حديثة

كشفت دراسة علمية حديثة أجريت في كلية ترينيتي بالعاصمة الأيرلندية دبلن، ونُشرت نتائجها في الدورية المرموقة "Nature Aging"، أن تعدد اللغات يلعب دوراً محورياً في إبطاء عملية الشيخوخة البيولوجية وحماية الدماغ من التدهور المعرفي. وتأتي هذه النتائج لتعزز الفهم العلمي للعلاقة بين النشاط الذهني وصحة الجهاز العصبي على المدى الطويل.
تعدد اللغات كتدريب رياضي للدماغ
أوضحت الدراسة أن الأشخاص الذين يتحدثون لغتين أو أكثر بانتظام يتمتعون بلياقة عقلية تفوق أقرانهم ممن يتحدثون لغة واحدة. وأشار الباحثون إلى أن عملية التنقل المستمر بين اللغات تعمل بمثابة "تدريب رياضي" لآليات الانتباه والتحكم التنفيذي في الدماغ. هذا النشاط الذهني المستمر يعزز من كفاءة الشبكات العصبية، مما يوفر حماية إضافية ضد التراجع الطبيعي الذي يحدث مع التقدم في العمر.
وقد قام فريق البحث بقيادة "أغوستين إيبانيز" بتحليل بيانات صحية شاملة لأكثر من 86 ألف شخص موزعين على 27 دولة أوروبية. واعتمد الباحثون على مقياس دقيق يُعرف بـ "العمر البيولوجي السلوكي"، والذي يقيس مدى التغيرات في الوظائف الجسدية والعقلية والاجتماعية مقارنة بالعمر الزمني الفعلي.
الاحتياطي المعرفي: سياق علمي وتاريخي
لفهم أهمية هذه النتائج، يجب النظر إليها في سياق نظرية "الاحتياطي المعرفي" (Cognitive Reserve). تاريخياً، كان العلماء يبحثون عن العوامل التي تجعل بعض الأدمغة أكثر مقاومة للأمراض من غيرها. وقد أثبتت الأبحاث المتراكمة على مر العقود أن الأنشطة المحفزة للدماغ، مثل التعليم المستمر، والعزف على الآلات الموسيقية، وتعلم اللغات، تساهم في بناء شبكات عصبية بديلة تمكن الدماغ من العمل بكفاءة حتى في وجود أضرار مرتبطة بالشيخوخة.
وتضيف هذه الدراسة دليلاً قوياً على أن تعدد اللغات ليس مجرد مهارة اجتماعية، بل هو استثمار صحي طويل الأمد. حيث أظهرت النتائج أن متعددي اللغات يسجلون علامات أقل لتسارع الشيخوخة، ويزداد هذا التأثير الإيجابي طردياً مع زيادة عدد اللغات المستخدمة، حتى بعد تحييد عوامل أخرى مؤثرة مثل المستوى التعليمي، الدخل المادي، وجودة الهواء في البيئة المحيطة.
أهمية النتائج وتأثيرها المستقبلي
تكتسب هذه الدراسة أهمية بالغة على المستويين الصحي والاجتماعي، خاصة مع تزايد معدلات الأعمار عالمياً وارتفاع نسب الإصابة بأمراض الخرف والزهايمر. ففي ظل غياب علاجات دوائية نهائية لهذه الأمراض، تبرز التدخلات السلوكية ونمط الحياة كخط دفاع أول.
وبينما أشار بعض الخبراء إلى أن تعلم لغة جديدة في سن متأخرة (بعد التقاعد) قد لا يمنح نفس القدر من الفائدة الوقائية مقارنة بمن مارسوا اللغات طوال حياتهم، إلا أنهم أكدوا أن الحفاظ على النشاط الذهني واستخدام اللغات المكتسبة سابقاً يظل أمراً حيوياً.
وخلصت الدراسة إلى أن التحدث بعدة لغات يعد استراتيجية وقائية فعالة وبسيطة وغير مكلفة لدعم صحة الدماغ، مما يؤكد المقولة العلمية بأن الدماغ يشبه العضلة؛ كلما زاد استخدامه وتحديه، زادت قوته ومرونته في مواجهة الشيخوخة.



