ارتفاع ضحايا الألغام الأرضية في 2024 وتحديات تواجه الحظر الدولي

كشف التقرير السنوي الصادر عن مرصد الألغام الأرضية لعام 2024 عن واقع مأساوي يواجه الجهود الدولية لنزع السلاح، حيث سجلت أعداد القتلى والجرحى جراء الألغام ومخلفات الحروب القابلة للانفجار ارتفاعاً ملحوظاً، مما يضع العالم أمام تحديات غير مسبوقة تهدد المكتسبات الإنسانية التي تحققت على مدار العقود الماضية.
إحصائيات مفزعة وتكلفة بشرية باهظة
وفقاً للبيانات الواردة في التقرير، شهد عام 2024 تسجيل 6279 إصابة مؤكدة تنوعت بين قتيل وجريح في 52 دولة ومنطقة حول العالم. وتمثل هذه الأرقام زيادة تقارب 500 ضحية مقارنة بالعام السابق، لتسجل بذلك أعلى حصيلة سنوية منذ عام 2020. ولعل الجانب الأكثر إيلاماً في هذه الإحصائيات هو أن المدنيين شكلوا السواد الأعظم من الضحايا بنسبة بلغت 90%، وكان الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً، حيث مثلوا ما يقرب من نصف إجمالي الضحايا المدنيين، مما يعكس الوجه القبيح للنزاعات المسلحة وتأثيرها طويل الأمد على الأجيال القادمة.
خلفية تاريخية: معاهدة أوتاوا في مهب الريح
تأتي هذه الأرقام المقلقة لتلقي بظلال من الشك على مستقبل "معاهدة أوتاوا" لحظر الألغام لعام 1997، والتي تعد واحدة من أنجح معاهدات نزع السلاح في التاريخ الحديث. تهدف المعاهدة تاريخياً إلى حظر استخدام وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد، وقد ساهمت بشكل فعال في تقليل عدد الضحايا وتطهير مساحات واسعة من الأراضي. إلا أن التقرير يحذر من تآكل هذا الإجماع الدولي، خاصة مع إعلان خمس دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (إستونيا، فنلندا، لاتفيا، ليتوانيا، وبولندا) نيتها الانسحاب من المعاهدة بموجب المادة 20، مبررة ذلك بالمخاوف الأمنية المتزايدة والخشية من "عدوان روسي" محتمل.
بؤر النزاع الأكثر تضرراً
أوضح التقرير أن الزيادة في أعداد الضحايا ترتبط بشكل وثيق باستخدام الألغام في دول تشهد نزاعات مسلحة وغير ملتزمة بالمعاهدة. وقد تصدرت بورما القائمة العالمية للعام الثاني على التوالي بتسجيلها 2029 قتيلاً وجريحاً. وجاءت سوريا في المرتبة الثانية بـ 1015 ضحية، حيث تفاقمت المخاطر مع محاولات المدنيين العودة إلى ديارهم وممارسة حياتهم الطبيعية عقب التغيرات السياسية الأخيرة وسقوط النظام السابق في ديسمبر. أما في أوروبا، فقد وثق التقرير استخدام روسيا للألغام المضادة للأفراد على نطاق واسع منذ بدء غزو أوكرانيا في فبراير 2022، بينما سجلت أوكرانيا نحو 300 إصابة خلال عام 2024، وسط انتقادات لمحاولات كييف تعليق امتثالها للمعاهدة.
تداعيات اقتصادية ونقص في التمويل
لا تقتصر أضرار الألغام على الإصابات الجسدية المباشرة فحسب، بل تمتد لتشمل تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة، حيث تؤدي إلى خروج مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية من الخدمة، وتعطيل مشاريع البنية التحتية، وإعاقة عودة اللاجئين والنازحين. ورغم هذه الحاجة الماسة، رصد التقرير تراجعاً كبيراً في التمويل الدولي المخصص لبرامج التطهير ومساعدة الضحايا.
وأشار التقرير إلى أن التمويل المخصص لدعم الضحايا انخفض بنحو 25%، ولا يمثل سوى 5% من إجمالي الدعم. وتزداد الصورة قتامة مع التوقعات لعام 2025، خاصة مع انخفاض المساعدات الأمريكية عقب التغيرات في الإدارة الأمريكية وعودة الرئيس دونالد ترامب، حيث قلصت الولايات المتحدة دعمها الخارجي رغم كونها تاريخياً أكبر ممول لبرامج إزالة الألغام عالمياً، مما يضع المنظمات الإنسانية أمام مأزق حقيقي في مواجهة هذا الخطر الكامن تحت الأرض.



