أخبار السعودية

دراسة كاوست: تنوع النباتات يحمي الأراضي الجافة من الرعي

أثبتت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، أن تنوع النباتات في المراعي يُعد أحد أهم العوامل التي تساعد الأراضي الجافة على مقاومة ضغوط الرعي والحفاظ على استقرارها البيئي. وأوضحت الدراسة أن المناطق التي تحتوي على أنواع نباتية أكثر تنوعاً تكون أكثر قدرة على الحفاظ على غطائها النباتي حتى مع زيادة أعداد الماشية.

جذور التحدي البيئي وتاريخ الرعي في المناطق القاحلة

تاريخياً، ارتبطت حياة الإنسان في المناطق القاحلة وشبه القاحلة بالرعي كأحد أقدم الأنشطة الزراعية التي عرفتها البشرية. ومع مرور الزمن، شكلت الأراضي الجافة بيئة قاسية تتطلب تكيفاً فريداً من قبل الكائنات الحية. إلا أن التوسع السكاني وزيادة الطلب على الموارد الغذائية أدى إلى تكثيف الرعي بشكل غير مسبوق خلال العقود الماضية، مما أسفر عن تدهور مساحات شاسعة من الأراضي وظهور مشكلة التصحر كأحد أخطر التحديات البيئية في العصر الحديث. هذا السياق التاريخي يجعل من فهم آليات صمود هذه النظم البيئية ضرورة ملحة لضمان استمراريتها.

نتائج الدراسة ونطاقها العالمي

نُشرت نتائج هذه الدراسة الرائدة في مجلة “نيتشر لعلم البيئة والتطور” (Nature Ecology & Evolution)، واعتمدت على بيانات ميدانية واسعة جُمعت من 73 موقعاً في 25 دولة عبر ست قارات. وشملت الدراسة أنظمة بيئية متنوعة مثل المراعي العشبية والسهول والشجيرات والسافانا، حيث قارن الباحثون بين مناطق تتعرض لمستويات منخفضة من الرعي وأخرى تتعرض لضغط رعي مرتفع. وأظهرت النتائج أن زيادة كثافة الرعي تؤدي في معظم الحالات إلى تراجع الغطاء النباتي بمتوسط يقارب 35%، إلا أن هذا التراجع لم يكن متساوياً في جميع المواقع.

كيف يعزز تنوع النباتات استراتيجيات التحمل؟

عند تحليل العوامل المختلفة التي قد تؤثر في هذه الظاهرة، مثل كمية الأمطار ودرجات الحرارة وخصائص التربة ونوع الماشية، تبيّن أن تنوع النباتات كان العامل الأكثر تأثيراً في قدرة النظام البيئي على الصمود. فالمناطق التي تضم عدداً أكبر من الأنواع النباتية كانت أقل عرضة لفقدان الغطاء النباتي مع زيادة الرعي. وأوضح الباحث في كاوست والمؤلف المشارك للدراسة، لوتشيو بيانكاري، أن اختلاف استراتيجيات النباتات في التحمّل والتعافي وتجنب الرعي يساعد على توزيع الضغط بين الأنواع المختلفة. فبعض الأنواع يمكنها تحمّل الرعي، بينما تمتلك أنواع أخرى قدرة عالية على النمو مجدداً، في حين قد تتجنب الحيوانات أنواعاً معينة. وعندما تتوفر هذه الأنواع معاً، يتوزع تأثير الرعي بدلاً من أن يتركز على نوع واحد.

الأبعاد الاستراتيجية والتأثيرات المتوقعة محلياً ودولياً

تكتسب هذه النتائج أهمية بالغة على المستويات كافة. دولياً، تمثل الأراضي الجافة بيئة حيوية لإنتاج الماشية، حيث تدعم نحو نصف الإنتاج العالمي من الثروة الحيوانية، ويعتمد عليها ما يقارب مليار إنسان كمصدر للعيش. كما تلعب دوراً مهماً في تثبيت التربة وتخزين الكربون. وعلى الصعيدين المحلي والإقليمي، تبرز أهمية الدراسة بشكل خاص للمملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط، حيث تنتشر الأراضي الجافة على مساحات واسعة ويُعد الرعي نشاطاً رئيسياً. وتوفر هذه المخرجات العلمية أساساً متيناً لدعم المبادرات البيئية ومكافحة التصحر، من خلال التركيز على زراعة أنواع متعددة ومحلية لضمان استدامة المراعي وتحقيق الأمن الغذائي.

نحو إدارة مستدامة للمراعي الطبيعية

تأتي هذه النتائج في وقت حاسم، حيث أعلنت الأمم المتحدة عام 2026 عاماً دولياً للمراعي والرعاة، بهدف تسليط الضوء عالمياً على أهمية المراعي الطبيعية وضرورة إدارتها بشكل مستدام. وأكد أستاذ علوم البيئة في كاوست والمؤلف الرئيس للدراسة، البروفيسور فرناندو مايستري، أن النظم البيئية التي تتمتع بتنوع نباتي أكبر تكون أكثر قدرة على توزيع الضغط البيئي، في حين أن انخفاض التنوع يؤدي إلى تدهور أسرع. وتساعد هذه الدراسة صناع القرار والجهات المعنية في تطوير سياسات أفضل لإدارة المراعي واستعادة الأراضي المتدهورة، بما يحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى