كاوست تبتكر تقنية تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى صخور

أثبت باحثون في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية “كاوست” إمكانية تطبيق تقنية ثورية تهدف إلى تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى صخور مستقرة تُحتجز تحت الأرض بشكل دائم. تعتمد هذه التقنية المبتكرة على استخدام نظام حلقة مغلقة يعيد تدوير المياه الموجودة في أعماق باطن الأرض، مما يزيل أحد أبرز العوائق أمام تطبيق هذا النهج البيئي في البيئات الجافة التي تعاني من شح المياه العذبة.
التطور التاريخي لتقنيات احتجاز الكربون
على مدار العقود الماضية، تطورت تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه كأداة حاسمة لمواجهة التغير المناخي وتقليل الانبعاثات الصناعية. تاريخياً، بدأت هذه العمليات في قطاع النفط والغاز لتحسين استخراج النفط، لكن مع تزايد الوعي البيئي، تحول التركيز نحو التخزين الدائم والآمن. تُعد عملية تمعدن الكربون، أو “الكربنة المعدنية”، مفهوماً علمياً معروفاً منذ سنوات، غير أنها حتى وقت قريب كانت تعتمد بشكل كبير على توفر كميات هائلة من المياه العذبة والصخور البركانية عالية التفاعل. وقد أشارت تقديرات سابقة إلى أن هذه العملية قد تتطلب كميات من المياه تصل إلى 20-50 ضعف كمية الكربون المُحتجز، مما حد من إمكانية تطبيقها خارج نطاقات جيولوجية محددة غنية بالمياه.
تجربة ميدانية رائدة في تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى صخور
لتجاوز هذه القيود الجغرافية والبيئية، قاد علماء من “كاوست” تجربة ميدانية رائدة في منطقة جازان غرب المملكة العربية السعودية، بالتعاون مع شركة أرامكو السعودية التي تولت تشغيل الموقع ودعمت عمليات الحقن والمراقبة. تضمنت التجربة حقن 131 طناً من ثاني أكسيد الكربون في أعماق كبيرة داخل تكوينات صخرية بركانية (بازلتية) يُقدَّر عمرها بين 21 و30 مليون سنة، وهي أقدم بكثير من التكوينات التي استُخدمت في التجارب العالمية السابقة. ومع مرور الغاز عبر التكوينات الصخرية، تفاعل مع المعادن المحيطة به، وأظهرت عمليات المراقبة الدقيقة أن نحو 70% منه قد تحوّل بالفعل إلى معادن صلبة خلال عشرة أشهر فقط.
الأبعاد الاستراتيجية والتأثير المتوقع محلياً وعالمياً
تكتسب هذه الخطوة العلمية أهمية بالغة على عدة أصعدة. محلياً وإقليمياً، تتماشى هذه التقنية مع أهداف “مبادرة السعودية الخضراء” ورؤية المملكة 2030 الرامية إلى الوصول للحياد الصفري وتقليل الانبعاثات الكربونية. إن نجاح تطبيق هذه التكنولوجيا في بيئة صحراوية شحيحة المياه يفتح آفاقاً واسعة لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتبني حلول مشابهة دون المساس بمواردها المائية الاستراتيجية. أما على الصعيد الدولي، فإن هذا الإنجاز يمثل دفعة قوية للجهود العالمية لتحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ، حيث يوفر حلاً عملياً للمناطق الصناعية التي تتركز فيها الانبعاثات وتفتقر إلى المياه العذبة.
تحليل العمليات الجوفية وآفاق المستقبل
وفي هذا السياق، أوضح البروفيسور حسين حطيط، أستاذ موارد الطاقة وهندسة البترول في كاوست: “لطالما اعتُبر تمعدن الكربون من أكثر الطرق أماناً لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون، إلا أن تطبيقه العملي ظل محدوداً بسبب ارتفاع الطلب على الموارد المائية. وتُظهر نتائج هذه الدراسة إمكانية تطبيق هذا النهج في البيئات الشحيحة بالمياه من خلال الاستفادة من خصائص الأنظمة الجوفية، بدلاً من الاعتماد على الموارد السطحية”. قام الباحثون بتحليل العمليات الجوفية لتحديد كيفية تحوّل الغاز إلى معادن صلبة، مستندين إلى خبرات دولية متقدمة، من بينها خبرات جامعة آيسلندا. وعلى النقيض من تقنيات تخزين الكربون التقليدية التي تحتفظ بالغاز في صورة مضغوطة تحت الأرض، يعمل التمعدن على تثبيته داخل صخور صلبة، مما يمنع أي تسرب مستقبلي.
توجد تكوينات البازلت في مناطق متعددة حول العالم، بما في ذلك أجزاء من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. وتُسهم القدرة على تنفيذ هذه التقنية في تكوينات أقدم باستخدام المياه المُعاد تدويرها من باطن الأرض في توسيع نطاق تطبيق هذا النهج البيئي المبتكر. وتمهّد هذه الدراسة لإمكانات جديدة تدعم تطبيق حلول التخزين الدائم للكربون في المناطق التي تعاني من محدودية الموارد المائية وارتفاع الانبعاثات الصناعية، مما يجعل كاوست في طليعة المؤسسات البحثية التي تقود التحول نحو مستقبل أكثر استدامة.



