ظاهرة نادرة: تعامد المشتري على الكعبة المشرفة فجر الجمعة

تشهد سماء مكة المكرمة فجر يوم الجمعة 5 ديسمبر 2025 ظاهرة فلكية مميزة ونادرة، تتمثل في تعامد كوكب المشتري (عملاق المجموعة الشمسية) على الكعبة المشرفة بدقة متناهية، وذلك وفقاً لما أعلنه المهندس ماجد أبو زاهرة، رئيس الجمعية الفلكية بجدة. وتعد هذه الظاهرة فرصة مثالية لعشاق الفلك والراصدين لمتابعة حركة الكواكب بدقة عالية، حيث سيظهر المشتري كنقطة ضوئية لامعة جداً في قبة السماء.
تفاصيل لحظة التعامد ودقتها
أوضح المهندس أبو زاهرة أن لحظة التعامد ستحدث تحديداً عند الساعة 03:09 فجراً بتوقيت المملكة العربية السعودية. في هذه اللحظة، سيصل كوكب المشتري إلى ارتفاع شاهق يبلغ 89.995 درجة فوق أفق مكة المكرمة، وهو ما يجعله قريباً جداً من نقطة "السمت" (التي تعني التعامد الرأسي التام بزاوية 90 درجة). الفارق البسيط الذي لا يتجاوز 15 ثانية قوسية يجعل هذه الظاهرة تُصنف فلكياً كتعامد شبه كامل، حيث يمر الكوكب عبر خط الزوال المحلي لمكة المكرمة.
الخلفية التاريخية والأهمية الفلكية
تكتسب ظواهر التعامد على الكعبة المشرفة أهمية خاصة في التراث الفلكي الإسلامي. فمنذ قرون، اعتمد الفلكيون المسلمون على رصد الأجرام السماوية لتحديد مواقيت الصلاة واتجاه القبلة بدقة. ويُعد تعامد الشمس هو الأشهر والأكثر استخداماً تاريخياً، إلا أن تعامد الكواكب اللامعة كالمشتري والزهرة، وكذلك القمر، يضيف بعداً علمياً يؤكد دقة الحسابات الفلكية الحديثة وتوافقها مع الأرصاد الواقعية، مما يربط الحاضر بالماضي العريق لعلوم الفلك في الحضارة الإسلامية.
استخدام الظاهرة لتحديد القبلة
على الرغم من ندرة تعامد المشتري مقارنة بالشمس، إلا أنه يحمل فائدة عملية وتطبيقية هامة. حيث يمكن لسكان المناطق المجاورة لمكة المكرمة وغالبية الدول العربية، وتحديداً دول الخليج العربي، الاستفادة من هذه الظاهرة لتحديد اتجاه القبلة. فعند النظر إلى كوكب المشتري في لحظة التعامد المذكورة، يكون الشخص متجهاً نحو الكعبة المشرفة مباشرة. ويشير أبو زاهرة إلى أن دقة هذا التحديد تقل كلما ابتعد الراصد جغرافياً عن مكة، مما يستدعي حينها الاعتماد على الحسابات الفلكية الدقيقة بدلاً من الرصد البصري المباشر، خاصة في قارات بعيدة مثل أوروبا والأمريكيتين.
الفرق بين تعامد الشمس والمشتري
في سياق المقارنة العلمية، بيّن رئيس فلكية جدة سبب تفضيل اعتماد تعامد الشمس لتحديد القبلة عالمياً مقارنة بالكواكب. يعود ذلك إلى أن أشعة الشمس تصل إلى الأرض بشكل متوازٍ تقريباً بسبب بعد حجمها الهائل وبعدها الشاسع، مما يجعل نسبة الخطأ ضئيلة جداً لا تتجاوز دقيقة قوسية واحدة. في المقابل، تتأثر زاوية رؤية المشتري بموقع الراصد (Parallax) بشكل أكبر، مما يجعل استخدامه كمرجع عالمي أقل دقة من الشمس، ولكنه يظل دقيقاً جداً للنطاق الإقليمي حول مكة.
الأثر التعليمي والجمالي للحدث
إلى جانب الفائدة العملية، تمثل هذه الظاهرة حدثاً جمالياً وتعليمياً بامتياز. فهي توفر مادة دسمة للمصورين الفلكيين لالتقاط صور توثق هذا الاقتران البصري الفريد، كما تفتح الباب للمؤسسات التعليمية لشرح مفاهيم فلكية معقدة مثل "الزوال"، و"السمت"، و"الارتفاع الزاوي" للطلاب والجمهور العام بطريقة عملية مشاهدة بالعين المجردة، مما يعزز الثقافة الفلكية في المجتمع.



