العيدية ثقافة مالية: خبراء يحذرون من المبالغة في قيمتها

أكد نخبة من المستشارين الأسريين والتربويين أن العيدية ثقافة مالية تتجاوز قيمتها المادية البسيطة لتصبح محطة تربوية واجتماعية متكاملة. وأوضح الخبراء أن هذه العادة الأصيلة تسهم بشكل فعال في بناء شخصية الطفل وتنمية وعيه المالي منذ الصغر، مشددين على أهمية استثمار أجواء العيد لتعزيز القيم الإيجابية والتواصل الأسري الفعال بعيداً عن التباهي والمنافسة.
الجذور التاريخية: كيف بدأت العيدية؟
لا يمكن الحديث عن العيدية دون التطرق إلى عمقها التاريخي. تعود جذور هذه العادة إلى العصور الإسلامية القديمة، وتحديداً في العصر الفاطمي، حيث كانت تُعرف باسم «التوسعة» أو «الرسوم». كانت توزع في البداية على شكل ملابس جديدة أو حلوى، ثم تطورت مع مرور الزمن لتأخذ شكلها النقدي الحالي. هذا التطور التاريخي يعكس حرص المجتمعات الإسلامية المتعاقبة على إدخال السرور إلى قلوب الأطفال وتوسعة الرزق على الأسر خلال أيام العيد، مما يجعلها إرثاً ثقافياً يمتد لمئات السنين.
العيدية ثقافة مالية والدرس الأول في الاستقلالية
أجمع المختصون على أن العيدية ثقافة مالية تشكل أول درس عملي للأطفال في كيفية التعامل مع المال. فهي تمنحهم شعوراً مبكراً بالاستقلالية والمسؤولية من خلال اتخاذ قرارات الشراء والتخطيط لكيفية إنفاق أو ادخار هذه المبالغ. وفي هذا السياق، بيّن المستشار الأسري عبداللطيف المذن أن العيدية طقس اجتماعي وثقافي عميق الجذور يحمل معاني الفرح والتكافل، مشيراً إلى أنها تمثل لحظة تعزيز إيجابي تمنح الطفل إحساساً بمكانته داخل الأسرة. وأضاف المذن أن هذه العادة تفتح باباً لتعليم الادخار وتغرس بهجة الانتظار، لافتاً إلى أنها في المجتمعات السعودية والخليجية تتحول إلى وسيلة لتعزيز صلة الرحم وإضفاء طابع حميمي على اللقاءات.
تحذيرات من تحويل الفرحة إلى منافسة مادية
حذر المستشار الأسري من المبالغة في منح العيدية، مما قد يفقدها معناها الرمزي ويحولها إلى منافسة مادية بين الأسر. وأكد أن جوهرها الحقيقي يكمن في رمزيتها المتمثلة في الابتسامة والكلمة الطيبة والمشاركة الوجدانية. من جانبه، كشف مدير مركز أسرية للإرشاد الأسري، رائد النعيم، أن العيدية ليست مجرد عبء مالي بل استثمار في القيم، مشيراً إلى دورها في إثراء جانب المكافأة وخلق ذاكرة طفولة إيجابية. وتطرق النعيم إلى الأثر الاجتماعي للعيدية بوصفها أداة لتمتين الروابط وكسر الحواجز بين الأجيال، موضحاً أنها تعلم الطفل قيمة العطاء بمجرد مشاهدة الكبار يوزعونها بمحبة.
الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية محلياً وإقليمياً
تتجاوز أهمية العيدية النطاق الأسري الضيق ليكون لها تأثيرات واسعة النطاق. على المستوى المحلي، تساهم العيدية في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية خلال أيام العيد، حيث تزيد معدلات شراء الألعاب والحلويات والترفيه. أما إقليمياً ودولياً، فتعد العيدية قاسماً مشتركاً يجمع الشعوب الإسلامية حول العالم، مما يعزز من الهوية الثقافية المشتركة ويبرز قيم التكافل والعطاء التي يحث عليها الدين الإسلامي. هذا الترابط الثقافي يعكس صورة إيجابية عن التلاحم المجتمعي في الأعياد.
إدراك معاني صلة الرحم وآداب المجالس
وفي سياق متصل، أشار المستشار التربوي خالد التركي إلى أن فرحة العيد تغرس في الطفل إدراك معاني صلة الرحم. وبيّن أن جلوس الأطفال في مجالس الكبار يعد دورة تدريبية في أصول التعامل وآداب الحديث والاستماع. ولفت التركي الانتباه إلى بعض السلوكيات الوالدية الخاطئة التي تعكر صفو العيد، كالمبالغة في ردة الفعل عند اتساخ ملابس الأطفال، مقترحاً تجهيز ملابس بديلة وتجنب التوتر للحفاظ على بهجة المناسبة. كما حذر من تولي الوالدين صفة المتحدث الرسمي نيابة عن الطفل، مشدداً على ضرورة منحه المساحة الكافية للتعبير عن مشاعره بأريحية مع الآخرين لتعزيز ثقته بنفسه.



