قطع الإنترنت في إيران: عزلة رقمية وتداعيات الاحتجاجات

يعيش ما يقارب 86 مليون إيراني حالة من العزلة شبه التامة عن العالم الخارجي منذ عدة أيام، وذلك في أعقاب قرار السلطات بقطع خدمات الإنترنت بشكل واسع، مما أدى إلى توقف خدمات البريد الإلكتروني، والرسائل النصية، والتطبيقات الرقمية الحيوية، بالتزامن مع رداءة شديدة في الاتصالات الهاتفية. تأتي هذه الخطوة كإجراء حكومي للسيطرة على تدفق المعلومات مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات في البلاد.
سياق تاريخي: سياسة "المفتاح القاتل" للإنترنت
لا تعد هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها طهران إلى قطع الشبكة العنكبوتية؛ إذ تمتلك إيران تاريخاً طويلاً في استخدام ما يُعرف بـ"سيادة الإنترنت" أو الشبكة الوطنية للمعلومات كأداة للسيطرة. ففي احتجاجات نوفمبر 2019، التي اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الوقود، شهدت البلاد انقطاعاً شبه كامل للإنترنت استمر لأسبوع، مما تسبب في تعتيم إعلامي كبير. وتكرر هذا السيناريو بنسب متفاوتة في احتجاجات سابقة، حيث تعتبر السلطات أن قطع التواصل يقلل من قدرة المتظاهرين على التنظيم والحشد، ويمنع وصول الصور والمقاطع المصورة إلى وسائل الإعلام الدولية.
شلل في الحياة اليومية والاقتصادية
على أرض الواقع، تسبب هذا الانقطاع في حالة من الشلل للعديد من القطاعات. ويقول موظف في شركة خاصة بطهران لوكالة فرانس برس بنبرة يملؤها الغضب: "نأتي إلى المكتب لكننا بلا إنترنت، لا أستطيع حتى التواصل مع زبائني أو تسيير الأعمال الأساسية". وتعتبر هذه الانقطاعات ضربة قاسية للاقتصاد الرقمي في إيران، حيث يعتمد آلاف المواطنين والشركات الصغيرة على منصات مثل "إنستجرام" (الذي كان متاحاً قبل الحجب الأخير) لتسويق منتجاتهم، مما يعني تكبدهم خسائر مالية فادحة مع كل يوم يمر دون اتصال.
الشبكة الوطنية والبدائل المتاحة
رغم حجب منصات عالمية مثل يوتيوب، تليجرام، واتساب، وإنستجرام، أبقت السلطات على إمكانية الوصول إلى "الشبكة الوطنية"، وهي شبكة إنترنت داخلية تخضع لرقابة صارمة وفلترة للمحتوى. هذا يسمح باستمرار عمل التطبيقات المحلية الضرورية مثل خدمات المصارف، وتطبيقات سيارات الأجرة، وخدمات توصيل الطعام، لضمان عدم توقف الحياة تماماً، إلا أنها تبقى معزولة عن الفضاء المعلوماتي العالمي.
مشهد الشارع: بين صخب النهار وهدوء المساء
في العاصمة طهران، تبدو الحياة متناقضة؛ ففي ساعات النهار، تكتظ أرصفة المقاهي بالرواد، وتفتح المتاجر أبوابها، وتشهد الطرقات ازدحاماً مرورياً يوحي بطبيعية المشهد. ولكن مع اقتراب المساء، يتغير الحال جذرياً، حيث يتباطأ النشاط الاقتصادي وتغلق المراكز التجارية والمطاعم أبوابها مبكراً، رغم عدم وجود حظر تجول رسمي معلن. ويشير نادل في أحد المقاهي إلى أن "الزبائن يتوافدون بكثرة نهاراً للقاء بعضهم البعض وتبادل الأخبار شفهياً بدلاً من الهواتف، ولكن بحلول السادسة مساءً نضطر للإغلاق".
الرواية الرسمية والاتهامات المتبادلة
من الناحية السياسية، تتصدر التظاهرات المؤيدة للحكومة عناوين الصحف الرسمية، التي تصف الاحتجاجات المعارضة بأنها "أعمال شغب" مدعومة من الخارج. وقد صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن مئات المتاجر وسيارات الإسعاف والمساجد قد تعرضت للحرق، متهماً الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء ما وصفه بـ"الإرهاب". وتنتشر في شوارع طهران لافتات تعرض صوراً لمركبات محترقة مع عبارات تندد بالتخريب، في محاولة لتعزيز السردية الحكومية حول الأحداث الجارية.



