واشنطن تلغي رسوم الأدوية البريطانية مقابل رفع الأسعار

في تطور لافت يعيد تشكيل ملامح العلاقات الاقتصادية عبر المحيط الأطلسي، أعلنت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عن إبرام اتفاق تجاري استراتيجي ينهي حقبة من التوتر الجمركي في قطاع الصناعات الدوائية. وبموجب هذا الاتفاق، قررت واشنطن إلغاء الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات الدوائية البريطانية، مقابل التزام لندن بزيادة الأسعار التي تدفعها هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) للأدوية المبتكرة بنسبة 25%.
تفاصيل الاتفاق وآليات التطبيق
أوضح البيت الأبيض أن هذا الاتفاق يأتي تتويجاً لمفاوضات مكثفة قادها الممثل التجاري جيميسون جرير، حيث يهدف إلى تصحيح ما تصفه الإدارة الأمريكية بـ "الخلل التجاري" في تسعير الأدوية عالمياً. وينص الاتفاق على أن الزيادة السعرية ستطبق حصراً على الأدوية الجديدة المصنفة ضمن فئة "الأدوية المبتكرة"، مع وضع ضوابط صارمة تمنع الجانب البريطاني من تعويض هذه الزيادة عبر خفض أسعار منتجات طبية أخرى، مما يضمن عائداً مالياً عادلاً لشركات التطوير الدوائي.
السياق التاريخي: معضلة "الركوب المجاني"
لفهم أبعاد هذا القرار، يجب العودة إلى الجذور التاريخية لأزمة تسعير الدواء. لطالما اشتكت الولايات المتحدة من أنها تتحمل العبء الأكبر في تمويل البحث والتطوير (R&D) العالمي في مجال الصيدلة. وتشير دراسات اقتصادية، بما فيها تقارير مؤسسة "راند"، إلى أن المستهلك الأمريكي يدفع في المتوسط 2.5 ضعف ما يدفعه نظيره الأوروبي لنفس الدواء. وقد تبنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وخصوصاً إدارة الرئيس دونالد ترامب، وجهة نظر مفادها أن الدول المتقدمة ذات أنظمة الرعاية الاجتماعية "تستفيد مجاناً" من الابتكارات الأمريكية عبر فرض ضوابط سعرية صارمة، بينما يمول المريض الأمريكي تكلفة الابتكار.
الأبعاد الاقتصادية والسياسية
كانت واشنطن قد لوحت سابقاً بفرض رسوم جمركية عقابية تصل إلى 100% على الأدوية المستوردة كوسيلة ضغط لإجبار الشركاء التجاريين على تعديل سياساتهم. ويأتي هذا الاتفاق ليحقق مكاسب متبادلة ولكن بتكلفة متباينة:
- بالنسبة للولايات المتحدة: يعتبر الاتفاق انتصاراً لسياسة "أمريكا أولاً" التجارية، حيث صرح وزير الصحة روبرت كينيدي جونيور بأن الاتفاق ينهي وضعاً غير عادل تحمل فيه الأمريكيون تكاليف باهظة لعقود.
- بالنسبة للمملكة المتحدة: يضع الاتفاق هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) أمام تحديات مالية جديدة في وقت تعاني فيه من ضغوط الميزانية، إلا أنه في المقابل ينقذ قطاع الصناعات الدوائية البريطاني الحيوي من رسوم جمركية كانت ستهدد قدرته على المنافسة في أكبر سوق للأدوية في العالم.
التأثيرات الدولية المتوقعة
يرى مراقبون أن هذا الاتفاق قد يشكل سابقة خطيرة ونموذجاً جديداً في التجارة الدولية، حيث تنتقل واشنطن من المطالبة بحرية التجارة إلى "إدارة التجارة" لضمان تقاسم أعباء الابتكار. ومن المتوقع أن تستخدم الولايات المتحدة هذا النموذج في مفاوضاتها المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي وتكتلات اقتصادية أخرى، مما قد يؤدي إلى ارتفاع عالمي في فواتير الرعاية الصحية الحكومية مقابل استدامة تمويل الأبحاث الطبية.



