أهمية فحوصات ما قبل الزواج ومخاطر إهمالها لصحة الأسرة

شددت الدكتورة دعاء مسعود، أخصائية أمراض النساء والولادة، في حديث خاص لصحيفة «اليوم»، على الأهمية البالغة لإجراء فحوصات ما قبل الزواج كخطوة وقائية لا غنى عنها لبناء أسرة سليمة وخالية من الأمراض. وأوضحت أن هذه الفحوصات تمثل درعاً واقياً يحمي الأجيال القادمة من انتقال الاضطرابات الوراثية والأمراض المعدية التي قد تؤثر سلباً على استقرار الحياة الزوجية وسلامة الحمل.
الرؤية التاريخية والجهود الوطنية للحد من الأمراض الوراثية
تاريخياً، تبنت العديد من الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، برامج وطنية إلزامية للفحص الطبي قبل الزواج منذ مطلع الألفية الحالية. جاءت هذه المبادرات استجابةً لارتفاع معدلات الإصابة ببعض أمراض الدم الوراثية مثل الثلاسيميا والأنيميا المنجلية نتيجة زواج الأقارب. وقد ساهمت هذه القوانين والتشريعات الصحية بشكل فعال في خفض نسب ولادة أطفال مصابين بهذه الأمراض المزمنة، مما أحدث تحولاً جذرياً في الصحة العامة محلياً وإقليمياً، وعزز من جودة الحياة للأسر الجديدة.
ماذا تشمل فحوصات ما قبل الزواج وكيف تقي من المخاطر؟
أشارت الدكتورة دعاء مسعود إلى أن الوقت الأمثل لإجراء فحوصات ما قبل الزواج هو قبل موعد الزفاف بثلاثة أشهر على الأقل، وذلك لإتاحة الفرصة الكافية للتعامل مع أي نتائج غير متوافقة أو البدء في برامج علاجية وقائية. وتتضمن هذه الفحوصات تحاليل روتينية شاملة مثل صورة الدم الكاملة (CBC)، وتحديد فصيلة الدم، وفحص عامل الريسوس (RH)، وتحليل البول، بالإضافة إلى الكشف عن الأمراض المعدية والمنقولة جنسياً مثل التهاب الكبد الوبائي (ب وج)، وفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، والزهري، والسيلان.
كما تطرقت إلى دور الفحوصات الجينية المتخصصة في حال وجود صلة قرابة بين الطرفين أو تاريخ عائلي مرضي، حيث تساعد في الكشف المبكر عن احتمالية انتقال أمراض الدم الوراثية مثل الهيموفيليا وأنيميا البحر المتوسط للأبناء.
تقييم الخصوبة والصحة النفسية للمقبلين على الزواج
لم تقتصر الفحوصات على الجوانب الوراثية والمعدية فقط، بل شملت أيضاً تقييم الخصوبة لدى الطرفين. وأوضحت الدكتورة دعاء أن اختبارات الخصوبة للسيدات تتضمن قياس مستويات الهرمونات الحيوية مثل هرمون تحفيز الجريب (FSH)، والهرمون اللوتيني (LH)، والبرولاكتين، والتستوستيرون، إلى جانب الفحص بالموجات فوق الصوتية لتقييم صحة الرحم والمبايض والكشف عن تكيسات المبايض أو الأورام الليفية. أما بالنسبة للرجال، فيعد تحليل السائل المنوي الفحص الأساسي لتقييم القدرة الإنجابية.
وأضافت أن الفحص الشامل يتطرق أيضاً للصحة العامة والنفسية للتأكد من قدرة الطرفين على تحمل المسؤوليات الأسرية وتجنب الاضطرابات التي قد تهدد استقرار الأسرة وتماسكها.
مخاطر إهمال الفحوصات الطبية وتأثيرها المباشر على الحمل
وحذرت الأخصائية من العواقب الوخيمة لإهمال هذه الفحوصات، مستشهدة بمشكلة عدم توافق عامل الريسوس (RH) بين الزوجين. فإذا كانت الأم سالبة العامل والجنين موجباً، فقد ينتج عن ذلك تكوين أجسام مضادة تهاجم دم الجنين في الأحمال التالية، مما يهدد حياته. كما نبهت إلى أن اضطرابات الغدة الدرقية غير المكتشفة لدى المرأة قد تؤدي إلى الإجهاض، أو الولادة المبكرة، أو تسمم الحمل.
وفيما يخص مرض السكري، فإن عدم السيطرة عليه قبل الحمل يرفع من احتمالات حدوث تشوهات خلقية للجنين ومشاكل تنفسية حادة بعد الولادة، فضلاً عن زيادة خطر الإجهاض أو وفاة الجنين في الحالات المتقدمة غير المسيطر عليها طبياً.
أثر الفحص الطبي على المنظومة الصحية والمجتمع
في الختام، أكدت الدكتورة دعاء مسعود أن اكتشاف أي مشكلة صحية خلال الفحوصات لا يعني إلغاء مشروع الزواج، بل يهدف إلى تمكين الشريكين من اتخاذ قرارات واعية ومستنيرة بناءً على أسس طبية سليمة. إن الالتزام بهذه الفحوصات يسهم بشكل مباشر في تخفيف العبء المالي والعلاجي عن كاهل المنظومة الصحية وبنوك الدم، ويضمن بناء مجتمع صحي وقوي يبدأ من نواة الأسرة المستقرة.



