أهمية التعلم الرقمي في تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية

أكد نخبة من المختصين والأكاديميين أن التعلم الرقمي لم يعد مجرد خيار بديل، بل أصبح ركيزة أساسية لتقليص الفجوة المعرفية وتحقيق تكافؤ الفرص التعليمية بين جميع فئات المجتمع. جاء ذلك تزامناً مع الاحتفاء باليوم الدولي للتعلم الرقمي، حيث شدد الخبراء على ضرورة دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتخصيص مسارات التعليم وتطوير المهارات التفاعلية، إلى جانب تعزيز الوعي التقني لدى الأسر والطلاب لضمان استخدام آمن ومسؤول يواكب تطلعات المملكة العربية السعودية نحو بناء أجيال مبدعة.
الجذور التاريخية والاعتراف الأممي بمسار التعليم التقني
يأتي الاحتفال باليوم الدولي للتعلم الرقمي، الذي يوافق 19 مارس من كل عام، تتويجاً للجهود العالمية التي قادتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للاعتراف بأهمية التكنولوجيا في التعليم. تاريخياً، برزت الحاجة الماسة لهذا التحول بشكل غير مسبوق خلال جائحة كورونا، التي كشفت عن ضرورة وجود بنية تحتية تقنية قوية تضمن استمرارية التعليم. ومنذ ذلك الحين، تحول هذا اليوم إلى منصة عالمية لتقييم المنجزات واستشراف مستقبل التعليم المعتمد على الابتكار، والتأكيد على أن التحول الرقمي هو إعادة صياغة كاملة لمنظومة التعليم لتصبح أكثر مرونة وقدرة على الوصول لكل طالب في أي مكان.
رؤية استشرافية للتعليم الحديث في الجامعات السعودية
وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة إيمان الظاهري، الأستاذ المشارك في الذكاء الاصطناعي وعميدة عمادة البحث والابتكار بجامعة جدة، أن التقنيات الحديثة تلعب دوراً جوهرياً في توسيع فرص الوصول إلى المعرفة. وأشارت إلى أن إتاحة المحتوى والمنصات الرقمية للطلاب في أي وقت يعزز مبدأ تكافؤ الفرص. وسلطت الضوء على تجربة جامعة جدة من خلال برنامج “منظومة التعليم”، الذي يهدف لدمج التقنيات الحديثة في التعليم الجامعي، وتوفير مصادر تعلم متنوعة عبر شراكات مع منصات عالمية مثل هواوي ومايكروسوفت. كما حذرت من تحديات البيئات الافتراضية كالتشتت، مؤكدة على أهمية تدريب الكوادر الأكاديمية وتنمية مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب لتلبية احتياجات سوق العمل المتسارعة.
الأثر الشامل: كيف يعيد التعلم الرقمي تشكيل المشهد محلياً ودولياً
لا يقتصر تأثير التعلم الرقمي على النطاق المحلي فحسب، بل يمتد ليحدث تغييرات جذرية على المستويين الإقليمي والدولي. محلياً، ينسجم هذا التحول بشكل وثيق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى بناء مجتمع معرفي واقتصاد رقمي متين، حيث تضع المملكة استثمارات ضخمة في البنية التحتية التقنية لتكون في مصاف الدول المتقدمة تعليمياً. أما إقليمياً ودولياً، فإن تبني التقنيات التعليمية يسهم في توحيد المعايير الأكاديمية، ويسهل تبادل الخبرات بين الجامعات العالمية، مما يخلق بيئة تعليمية عابرة للحدود تتيح للمتعلمين في الدول النامية الوصول إلى مناهج جامعات النخبة، وبالتالي رفع جودة التعليم العالمي ككل.
تحولات جذرية في المفاهيم التعليمية
من جانبه، بيّن الدكتور عبدالله الدرعاني، الأستاذ المشارك في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، أن التكنولوجيا أسهمت في إحداث تحول واضح في مفهوم التعليم الذي لم يعد مرتبطاً بمكان أو زمان محددين. وأضاف أن المصادر المفتوحة والفصول الافتراضية تتيح للطلاب في مختلف المناطق الوصول إلى محتوى عالي الجودة، مما يقلص الفجوة الجغرافية والاجتماعية. ورغم هذه المزايا، نبه الدرعاني إلى تحديات مثل تفاوت البنية التحتية الرقمية، داعياً إلى الاستثمار في تدريب المعلمين والطلاب. كما شدد على دور الأسرة في توجيه الأبناء نحو الاستخدام الآمن وحماية البيانات الشخصية، متوقعاً أن يقدم الذكاء الاصطناعي تجارب تعلم مخصصة تدعم دور المعلم المحوري.
تمكين وتوعية رقمية شاملة للأجيال القادمة
بدورها، استعرضت مستشارة الذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات، المهندسة آراء الهمزاني، مساهمة التقنية في سد الفجوة التعليمية ومنح المتعلمين فرصاً متكافئة. وأكدت أن تمكين المرأة في المملكة ودعم القيادة الرشيدة أسهم في توسيع مشاركة الكفاءات النسائية في صناعة المعرفة الرقمية. ولعلاج معوقات ضعف التفاعل، اقترحت تطوير تصميم تعليمي مبتكر وتأهيل الكوادر البشرية بفاعلية. واختتمت برسالة توعوية تؤكد أن التقنية أداة معرفة وتمكين وليست مجرد وسيلة ترفيه، مشددة على ضرورة ترسيخ ثقافة الوعي الرقمي لدى الأجيال الجديدة واستثمارها في الابتكار مع الحفاظ على القيم والهوية الوطنية الأصيلة.



