كيف تؤثر الحرب في الشرق الأوسط على اقتصاد إفريقيا؟

حذر تقرير دولي مشترك صادر عن الاتحاد الإفريقي، وبنك التنمية الإفريقي، ووكالات تابعة للأمم المتحدة، من التداعيات الخطيرة التي تفرضها الحرب في الشرق الأوسط على القارة الإفريقية. وأكد التقرير الذي اطلعت عليه وكالة فرانس برس، أن استمرار هذا الصراع يشكل تهديداً جسيماً ومباشراً لاقتصادات الدول الإفريقية، حيث ينذر بارتفاع حاد ومفاجئ في تكلفة المعيشة، مما يضع ملايين السكان أمام تحديات اقتصادية غير مسبوقة.
جذور التبادل التجاري والاعتماد الاقتصادي المتبادل
تاريخياً، لطالما شكلت منطقة الشرق الأوسط شرياناً حيوياً للقارة الإفريقية، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي، بل عبر مسارات تجارية ممتدة منذ قرون. وفي العصر الحديث، تعمق هذا الاعتماد المتبادل ليصبح استراتيجياً، خاصة في مجالات الطاقة، والنفط، والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى الأسمدة الزراعية التي تعتبر العمود الفقري للأمن الغذائي الإفريقي. هذا الترابط الوثيق يجعل أي اضطراب أمني أو جيوسياسي في الشرق الأوسط ينعكس فوراً على الأسواق الإفريقية، وهو ما يفسر القلق الدولي المتزايد من الأوضاع الراهنة وتأثيرها المباشر على استقرار سلاسل الإمداد العالمية.
تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على تكلفة المعيشة
أشار التقرير، الذي شارك في إعداده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا، إلى أرقام مفصلية تبرز حجم الأزمة؛ إذ يمثل الشرق الأوسط حوالي 15.8% من إجمالي واردات إفريقيا، و10.9% من صادراتها. وأوضح الخبراء أن الصدمة التجارية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط قد تتفاقم بوتيرة متسارعة لتتحول إلى أزمة غلاء معيشة طاحنة تضرب القارة بأكملها. ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود والمواد الغذائية الأساسية، فضلاً عن القفزة الكبيرة في تكاليف الشحن البحري والتأمين، مما يولد ضغوطاً هائلة على أسعار الصرف والموازنات الوطنية للدول النامية.
تراجع النمو الاقتصادي وتفاقم أزمة الديون الخارجية
على الصعيدين الإقليمي والدولي، يحمل الحدث تأثيراً بالغ الأهمية يهدد بمسار التنمية المستدامة. ففي الوقت الذي لا يزال فيه معدل النمو الاقتصادي في معظم الدول الإفريقية يعاني من تباطؤ ملحوظ مقارنة بمستويات ما قبل جائحة كوفيد-19، يتوقع التقرير أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي للقارة بنسبة 0.2 نقطة مئوية بحلول عام 2026 إذا استمرت المواجهات المسلحة لأكثر من ستة أشهر. علاوة على ذلك، حذر بنك التنمية الإفريقي من انخفاض قيمة العملات المحلية في 29 دولة إفريقية، مما يضاعف من تكلفة خدمة الدين الخارجي، ويستنزف احتياطيات النقد الأجنبي الشحيحة أصلاً. كما أن تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الخليج يضرب إنتاج الأسمدة، مما يهدد المواسم الزراعية ويقلل من وفرة المحاصيل.
تحولات استراتيجية: مستفيدون من تغيير مسارات الملاحة
رغم الصورة القاتمة، يرى معدو التقرير أن هناك أبعاداً اقتصادية أخرى قد تفرز مستفيدين على المدى القصير. فمع اضطراب سلاسل التوريد، تشهد أسعار المواد الأولية ارتفاعاً قد يصب في مصلحة الدول الإفريقية المصدرة للطاقة، مثل نيجيريا الغنية بالنفط، وموزمبيق المنتجة للغاز الطبيعي المسال. من جهة أخرى، أدى تغيير مسار حركة الملاحة البحرية العالمية للهروب من التوترات، والتوجه نحو الإبحار حول إفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، إلى انتعاش ملحوظ في حركة الموانئ الجنوبية. وتستفيد من هذا التحول الاستراتيجي دول مثل جنوب إفريقيا، وموزمبيق، وناميبيا، وموريشيوس، حيث زادت حركة السفن العابرة مما يعزز من إيراداتها اللوجستية والبحرية مؤقتاً.



