الخميس الونيس: سر التسمية وتاريخه عند العرب وأشهر أحداثه

يحتل يوم الخميس مكانة خاصة في الذاكرة العربية والوجدان الشعبي، حيث بات يُعرف بلقب “الخميس الونيس”، وهو مصطلح يتصدر منصات التواصل الاجتماعي أسبوعياً. لكن هذا الارتباط بالبهجة ليس وليد اللحظة، بل يضرب بجذوره في عمق التاريخ العربي وتحديداً في العصر الجاهلي.
أصل التسمية: من “مُؤنس” إلى “الونيس”
يرجع أصل تسمية “الخميس الونيس” إلى الاسم الذي أطلقه العرب في الجاهلية على هذا اليوم، وهو “مُؤنِس”. وتأتي هذه التسمية من الجذر اللغوي “أنس”، حيث كان العرب يجدون في هذا اليوم السلوى والمتعة والأُنس بعد عناء أسبوع كامل من العمل الشاق والرعي والتجارة.
لم تكن تسمية الأيام عند العرب عشوائية، بل كانت تعكس حالتهم الاجتماعية والنفسية. فقد سموا الأيام كالتالي: (أول، أهون، جُبار، دُبار، مُؤنس، عَروبة، شِيار). وكان يوم “مُؤنس” (الخميس) هو اليوم الذي تصفو فيه النفوس، وتجتمع فيه العائلات والقبائل للسمر والحديث، مما يجعله يوماً يطرد الوحشة ويجلب الأنس.
البعد النفسي والاجتماعي ليوم الخميس
استمرت هذه النظرة الإيجابية ليوم الخميس عبر العصور وصولاً إلى يومنا هذا. يُعد الخميس في الثقافة المعاصرة، وخاصة في دول الخليج والعالم العربي، بمثابة الجسر الذي يعبر به الناس من ضغوط العمل إلى راحة العطلة الأسبوعية. ورغم تغير نظام الإجازات في بعض الدول ليصبح (الجمعة والسبت)، إلا أن مساء الخميس لا يزال يحتفظ ببريق البدايات، حيث تكثر فيه حفلات الزفاف، والولائم، والزيارات العائلية، مما يرسخ لقب “الونيس” في الوعي الجمعي.
مفارقة تاريخية: الخميس بين الأُنس والأحداث السوداء
على الرغم من الطابع الاحتفالي والمبهج الذي يحمله يوم الخميس في الثقافة العربية، إلا أن التاريخ العالمي والعربي سجل أحداثاً مأساوية وقعت في هذا اليوم، مما جعل بعضها يُعرف بـ “الخميس الأسود”، في مفارقة عجيبة بين الاسم والحدث. ومن أبرز هذه المحطات:
- أزمة وول ستريت (1929): يُعرف عالمياً بـ “الخميس الأسود”، وهو يوم 24 أكتوبر 1929، الذي شهد انهيار بورصة نيويورك، مما أدى إلى دخول العالم في حقبة الكساد الكبير، وهي أزمة اقتصادية طالت تأثيراتها معظم دول العالم.
- الغزو العراقي للكويت (1990): في ذاكرة الخليج العربي، يحمل يوم الخميس 2 أغسطس 1990 ذكرى مؤلمة، حيث وقع الغزو العراقي للكويت. سُمي باليوم الأسود ليس فقط بسبب الغزو، بل بسبب حرق آبار النفط (مثل آبار الأحمدي والنويصيب)، مما شكل سحابة سوداء غطت السماء وحجبت ضوء الشمس لساعات طويلة، وأمطرت السماء قطرات سوداء ملوثة.
- أحداث تونس (1978): شهدت تونس يوم 26 يناير 1978 ما عُرف بالخميس الأسود، إثر إضراب عام دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، والذي تحول إلى صدامات دامية بين المتظاهرين وقوات الأمن، مما خلف عشرات الضحايا.
في الختام، يظل “الخميس الونيس” أو “مُؤنس” رمزاً للراحة والبهجة في الموروث الثقافي العربي، مقاوماً بذلك ذكريات الأحداث التاريخية القاسية التي صادفت وقوعها فيه، ليثبت أن رغبة الإنسان في الفرح والأنس أقوى من مصادفات التاريخ.



