تاريخ مسلسل طاش ما طاش وتأثيره في الدراما السعودية

يُعد مسلسل طاش ما طاش علامة فارقة في تاريخ الدراما السعودية والخليجية، حيث تجاوز كونه مجرد عمل تلفزيوني ليصبح طقسًا رمضانيًا ثابتًا ارتبط بوجدان الملايين على مدى عقود. لم تكن العلاقة بين الجمهور وهذا العمل مجرد مشاهدة عابرة، بل كانت علاقة وجدانية عميقة، حيث نجح الثنائي ناصر القصبي وعبدالله السدحان في تجسيد نبض الشارع السعودي ونقل تفاصيل الحياة اليومية بأسلوب يجمع بين الكوميديا السوداء والنقد البناء.
البدايات والتحول التاريخي
انطلقت رحلة "طاش ما طاش" فعليًا في فبراير 1993 (رمضان 1413 هـ) عبر القناة السعودية الأولى، ليقدم نموذجًا جديدًا للكوميديا المحلية. ومع مرور السنوات، شهد العمل تطورًا نوعيًا في الإنتاج والطرح، خاصة بعد انتقاله للعرض على شاشة MBC في عام 2006، مما ساهم في توسيع قاعدته الجماهيرية عربيًا. وقد تعاقب على إخراج هذا العمل مخرجون كبار تركوا بصماتهم، أبرزهم المخرج الراحل عبدالخالق الغانم الذي ارتبط اسمه بالحقبة الذهبية للمسلسل.
مرآة المجتمع وتأثيره الثقافي
تميز المسلسل بجرأته غير المسبوقة في طرح القضايا الاجتماعية الحساسة، حيث ناقش ملفات البيروقراطية، والتحولات الاجتماعية، والغلو، ومشاكل الشباب، والعلاقات الأسرية. لم يكتفِ العمل بالإضحاك، بل كان بمثابة "مرآة للمجتمع"، مما جعله عرضة للجدل والنقاش المستمر في المجالس والصحف، وهو ما عزز من مكانته كقوة ناعمة مؤثرة ساهمت في تشكيل الوعي العام ومناقشة المسكوت عنه بأسلوب ساخر وذكي.
عودة طاش.. الحنين والمستقبل
بعد توقف طويل استمر منذ عام 2011، وتحديدًا بعد الجزء الثامن عشر، عاش الجمهور حالة من الحنين المستمر لمقاطعه التي تحولت إلى "ميمز" وأيقونات ثقافية عبر منصات التواصل الاجتماعي. وجاءت المفاجأة السارة في رمضان 2023 بعودة المسلسل تحت عنوان "طاش العودة" بدعم من الهيئة العامة للترفيه، ليعيد وصل ما انقطع ويثبت أن الكيمياء الفنية بين القصبي والسدحان لا تزال قادرة على جذب الانتباه، ولتؤكد أن هذا العمل هو أرشيف حي لتحولات المجتمع السعودي.
إن الإرث الذي تركه "طاش ما طاش" لا يقتصر على الحلقات التلفزيونية، بل يمتد لكونه مدرسة فنية تخرج منها العديد من النجوم، ومرجعًا لفهم طبيعة الدراما التي تشبه الناس وتعبر عنهم بصدق، ليظل حاضرًا في القلوب والذاكرة كأحد أهم المنجزات الفنية في المملكة.



