مخاطر السجائر الإلكترونية: دراسة فرنسية تحذر من تلف الحمض النووي

في تطور لافت ينسف المعتقدات السائدة حول مأمونية بدائل التدخين، أصدرت الهيئة الفرنسية لسلامة الأغذية والبيئة والصحة المهنية (ANSES) تحذيراً شديد اللهجة بشأن استخدام السجائر الإلكترونية، داعية إلى حصر استخدامها في أضيق الحدود، وتحديداً للمدخنين التقليديين الراغبين بجدية في الإقلاع عن التبغ، مع التشديد على ضرورة التوقف عنها لاحقاً.
مراجعة علمية شاملة تكشف المستور
لم يأتي هذا التحذير من فراغ، بل استند إلى جهد علمي ضخم حيث حشدت الهيئة فريقاً مكوناً من 14 خبيراً متخصصاً، عكفوا على مراجعة وتمحيص 2864 دراسة علمية وتقارير دولية موثقة. وقد خلصت هذه المراجعة الدقيقة، التي أُعلن عن نتائجها يوم الأربعاء، إلى حقائق صادمة تتعلق بالسلامة الصحية لهذه الأجهزة التي غزت الأسواق العالمية.
وفي تصريح لوكالة فرانس برس، أكد بونوا لابارب، رئيس وحدة تقييم منتجات التبغ في الهيئة، أن البحث العلمي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التدخين الإلكتروني “يحمل مخاطر صحية جسيمة”، وذلك لأنه ينطوي بالأساس على استنشاق مواد كيميائية ضارة تدخل مباشرة إلى الرئتين.
آلية الضرر: سموم ومعادن ثقيلة
تكمن خطورة السجائر الإلكترونية في آلية عملها والمكونات الداخلة فيها. فالمخاطر الصحية لا تقتصر فقط على النيكوتين، بل ترتبط بالاستنشاق المتكرر لمواد سامة تتولد أثناء تسخين السائل. وأوضحت الدراسات أن عملية التسخين تحول مكونات السائل (مثل البروبيلين غليكول، الغلسرين، والمنكهات) إلى مركبات جديدة ضارة، وقد تُصدر الأجهزة نفسها معادن ثقيلة نتيجة تآكل ملفات التسخين.
وشدد لابارب على ضرورة “منع التدخين الإلكتروني تماماً لغير المدخنين، وخاصة فئة الشباب والمراهقين الذين ينجذبون بشكل كبير إلى نكهات الفاكهة والمذاقات الحلوة التي تروج لها الشركات المصنعة”، مشيراً إلى أن هذه المنتجات قد تكون بوابة لإدمان النيكوتين بدلاً من كونها وسيلة للإقلاع عنه.
تلف الحمض النووي وتهديد القلب
من جانبه، كشف الصيدلي تيبو مانسوي، منسق المراجعة المتخصصة، عن تفاصيل مرعبة تتعلق بتأثير الأبخرة على المستوى الخلوي. وأوضح أن مواد مثل “الألدهيدات” التي تتكون أثناء التسخين، ترتبط بأنسجة الجهاز التنفسي وتلحق بها ضرراً مباشراً. وأضاف محذراً: “إذا تكرر هذا الضرر مع مرور الوقت، تواجه الأنسجة صعوبة بالغة في إصلاح نفسها بشكل سليم”.
ولعل الأخطر في نتائج التقرير هو رصد تغيرات في الخلايا تصل إلى حد “تلف الحمض النووي”، وهو ما قد يساهم في تهيئة بيئة مسرطنة داخل الجسم. كما أكدت الدراسات وجود آثار ضارة محتملة على القلب والأوعية الدموية، تشمل اضطرابات في معدل ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، مما قد يؤدي على المدى الطويل إلى أمراض قلبية مزمنة، سواء احتوى السائل على النيكوتين أم لا.
السياق العالمي والموقف من التدخين الإلكتروني
يأتي هذا التقرير الفرنسي ليعزز المخاوف العالمية المتزايدة بشأن السجائر الإلكترونية. فبينما تم تسويق هذه المنتجات لسنوات كبديل آمن بنسبة 95% مقارنة بالسجائر التقليدية، بدأت الهيئات الصحية حول العالم تعيد النظر في هذه النسبة مع تراكم الأدلة العلمية حول تأثيراتها طويلة المدى. ويشير الخبراء إلى أن غياب الاحتراق لا يعني انعدام الضرر، وأن استنشاق أبخرة كيميائية ساخنة يظل سلوكاً غير طبيعي للجهاز التنفسي البشري.



