تأهب الجيش الفرنسي لاحتمال اندلاع حرب مفتوحة مع روسيا

في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في القارة الأوروبية، تتجه الأنظار نحو التحركات العسكرية الأخيرة، حيث شدد رئيس أركان الجيش الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، على ضرورة الاستعداد الجدي لاحتمال اندلاع “حرب مفتوحة” مع روسيا. هذا التصريح الخطير يستدعي تسريع وتيرة تعزيز القدرات الدفاعية الفرنسية لمواجهة التحديات الأمنية غير المسبوقة منذ عقود.
السياق التاريخي وتصاعد التوترات في أوروبا
لم تأتِ تحذيرات القيادة العسكرية الفرنسية من فراغ، بل هي نتيجة مباشرة لتراكمات تاريخية وأحداث متسارعة بدأت تتشكل بوضوح منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2022. لقد أعادت هذه الأزمة رسم الخريطة الأمنية لأوروبا، مما دفع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفي مقدمتها فرنسا، إلى إعادة تقييم استراتيجياتها العسكرية. تاريخياً، كانت أوروبا تعتمد على سياسات الردع الدبلوماسي والاعتماد الاقتصادي المتبادل لتجنب الصراعات، إلا أن التحركات العسكرية الروسية الأخيرة أثبتت أن القوة الصلبة لا تزال عاملاً حاسماً في العلاقات الدولية، مما أجبر باريس على التخلي عن سياسة تقليص النفقات العسكرية التي اتبعتها في فترة ما بعد الحرب الباردة.
خطة الجيش الفرنسي لتعزيز الميزانية الدفاعية
خلال جلسة استماع مخصصة للبحث في تحديث قانون البرمجة العسكرية أمام أعضاء لجنة الدفاع النيابية، أوضح الجنرال ماندون أن استمرار التهديد الروسي في القارة الأوروبية، مع بقاء احتمال نشوب حرب مفتوحة، يظل الشاغل الأول من حيث إعداد القوات المسلحة. ويلحظ مشروع القانون الجديد تخصيص اعتمادات إضافية ضخمة قدرها 36 مليار يورو للقوات المسلحة، تُضاف إلى الميزانية التاريخية التي سبق تخصيصها للفترة الممتدة بين 2024 و2030 والبالغة 413 مليار يورو. هذا الاستثمار الضخم يهدف إلى تحديث الترسانة العسكرية وضمان الجاهزية التامة لأي طارئ.
قراءة في الأرقام والقدرات العسكرية الروسية
استندت التحذيرات الفرنسية إلى تقديرات استخباراتية دقيقة تشير إلى تنامي القدرات العسكرية الروسية بشكل ملحوظ. فقد أشار رئيس الأركان إلى أن التقديرات تفيد بأن عدد جنود روسيا سيبلغ 1.3 مليون جندي في عام 2025، ويُتوقع أن يصل إلى 1.9 مليون بحلول عام 2030. علاوة على ذلك، يُتوقع أن يرتفع عدد الدبابات الثقيلة الروسية من أربعة آلاف دبابة في عام 2025 إلى سبعة آلاف دبابة في سنة 2030، مع الحفاظ على قوة بحرية ضاربة تتراوح بين 230 و240 سفينة قتالية. هذه الأرقام تعكس تحولاً روسياً نحو اقتصاد الحرب، مما يفرض تحديات هائلة على الجيوش الأوروبية.
التداعيات الإقليمية والدولية للتحركات العسكرية
إن تأهب القوات الفرنسية لا يقتصر تأثيره على الداخل الفرنسي فحسب، بل يمتد ليشمل تداعيات إقليمية ودولية واسعة النطاق. على المستوى المحلي، يتطلب هذا التحول تهيئة الرأي العام الفرنسي لتقبل زيادة الإنفاق العسكري، وهو ما عبر عنه ماندون بقوله: “نحن في مرحلة خطر، علينا ألا نثير القلق، لكن المطلوب اليقظة فحسب، لأننا بحاجة إلى هذا الاستثمار في مجال الدفاع لحماية مواطنينا ومصالحنا”.
أما على الصعيد الإقليمي، فإن الموقف الفرنسي يبعث برسالة طمأنة لحلفاء باريس في أوروبا الشرقية ودول البلطيق، مؤكداً التزام فرنسا بأمن القارة الأوروبية ضمن إطار حلف الناتو. ودولياً، يعكس هذا التصعيد عودة سباق التسلح بين القوى الكبرى، مما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات العالمية وتغيير موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل المنظور.



