تقنيات فوميكس 2026: إحياء الذاكرة الإعلامية السعودية رقمياً

شهدت أروقة معرض مستقبل الإعلام “فوميكس”، المصاحب لفعاليات المنتدى السعودي للإعلام 2026، نقلة نوعية في مفهوم حفظ التراث الإعلامي، حيث برزت تقنيات حديثة وشاشات رقمية فائقة الدقة أعادت صياغة المحتوى القديم بلغة العصر. وقد رسم هذا المشهد دلالات واضحة على التحول العميق الذي يشهده قطاع الإعلام في المملكة العربية السعودية، منتقلاً من دوره التقليدي كناقل للحدث إلى منظومة متكاملة تُعنى بحفظ الذاكرة الوطنية، وتطوير المحتوى، وصناعة المستقبل بأدوات ابتكارية.
تقنيات متقدمة لترميم التاريخ
وخلال جولة موسعة بين أجنحة الشركات المحلية والعالمية المشاركة في المعرض، يلمس الزائر مدى التطور التقني الهائل الذي سُخّرت من خلاله الإمكانات لمعالجة الصور القديمة والمشاهد التاريخية. استعرضت الشركات حلولاً لرقمنة المحتوى السمعي والبصري، وترميم المواد الإعلامية القديمة مادياً ورقمياً، بما في ذلك الأفلام والصور والتسجيلات الصوتية النادرة، وتحويلها إلى محتوى رقمي عالي الجودة قابل للحفظ طويل الأمد وفق أعلى المعايير التقنية العالمية.
وبرزت في “فوميكس” تقنيات متخصصة في المسح الفيلمي عالي الدقة (Film Scanning)، ومعالجة الألوان، وإعادة إحياء المواد الأرشيفية المتضررة، إلى جانب حلول متقدمة في الفهرسة الذكية وإدارة الأصول الرقمية. تهدف هذه الأنظمة إلى تنظيم المحتوى الإعلامي بطريقة تُسهّل الوصول إليه للباحثين وصناع المحتوى، وتُمكّن من إعادة توظيفه في الإنتاج الإعلامي المعاصر بكفاءة ومرونة عالية.
الأهمية الاستراتيجية للأرشيف الإعلامي
تأتي هذه الخطوات في سياق توجه استراتيجي أوسع يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في التحول الرقمي وتعزيز الهوية الوطنية. فالأرشيف الإعلامي لا يمثل مجرد مواد قديمة، بل هو ذاكرة الأمة وسجل تطورها الحضاري والاجتماعي. وتكتسب عملية الرقمنة أهمية قصوى في حماية هذا الإرث من التلف المادي والضياع، مما يضمن نقله للأجيال القادمة بصورة مشرفة تعكس تاريخ المملكة العريق.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاستثماري، يُعد تنظيم الأرشيف الإعلامي وإتاحته رقمياً فرصة ذهبية لقطاع الإنتاج الوثائقي والدرامي، حيث يوفر مادة غنية وموثقة يمكن الاستناد إليها في صناعة أعمال فنية وتاريخية ذات قيمة عالية، مما يعزز من القوة الناعمة للمملكة ويُثري المحتوى العربي على شبكة الإنترنت.
حلول شاملة لحماية الملكية الفكرية
ومن الحلول التقنية البارزة التي استعرضها المعرض، توفير آليات متكاملة لحفظ التراث السمعي والبصري، تشمل التخزين الفيزيائي والرقمي الآمن، وحصر المجموعات الإعلامية وترشيدها. كما ركزت الحلول المعروضة على الجانب القانوني المتمثل في التدقيق المرتبط بحقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر، بما يعزز من استدامة المحتوى الإعلامي ويحفظ قيمته المهنية والتاريخية، ويحمي حقوق المؤسسات والأفراد.
ويؤكد هذا الحضور التقني المتقدم اهتمام قطاع الإعلام في المملكة بأهمية الذاكرة الإعلامية بوصفها ركيزة من ركائز الهوية الوطنية، وعنصراً أساسياً في بناء إعلام حديث يستند إلى التقنية والمعرفة. إن مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة دون التفريط في الإرث الإعلامي يجسد وعياً عميقاً بضرورة تبني الأدوات الحديثة وتوظيفها لصناعة محتوى مستدام، قادر على استشراف مستقبل إعلامي أكثر احترافية وتأثيراً على المستويين الإقليمي والدولي.



