التراث والثقافة

فاطمة الفوز: سريالية بصرية توثق هوية الأحساء وتدعم المواهب

في قلب واحة الأحساء، حيث تمتزج خضرة النخيل بتاريخ الحضارات القديمة، تخوض الفنانة التشكيلية فاطمة الفوز تجربة فنية متفردة، تعيد من خلالها تعريف المدرسة السريالية بصبغة محلية. لا تكتفي الفوز برسم اللوحات فحسب، بل تحمل على عاتقها مشروعاً ثقافياً يهدف إلى دمج رموز «الطيور» بذاكرة المكان، معلنةً عن خطوة استراتيجية طموحة لإنشاء أكاديمية فنية متخصصة.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه المملكة حراكاً ثقافياً غير مسبوق، حيث يُنظر إلى الفنون البصرية كجزء أصيل من جودة الحياة. وتسعى الفوز من خلال مشروعها إلى حماية أحلام الأطفال الإبداعية من الاندثار، وتحويل مواهبهم الفطرية إلى مسارات احترافية مستدامة، مستندة في ذلك إلى رصيد حافل من المعارض المحلية والدولية التي وثقت فيها المشاعر الإنسانية بلغة بصرية مغايرة.

لوحة تشكيلية للفنانة فاطمة الفوز تعكس السريالية

بيئة الأحساء.. حاضنة الإلهام

لا يمكن فصل تجربة فاطمة الفوز عن محيطها الجغرافي في محافظة الأحساء، المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. فالبيئة الأحسائية الغنية بالنخيل والعيون والأسواق التاريخية مثل القيصرية، تشكل مخزوناً بصرياً لا ينضب للفنانين. وقد نجحت الفوز في توظيف هذه العناصر، وتحديداً النخلة، كخلفيات متأصلة في أعمالها تندمج مع الرموز السريالية، لتقدم نافذة بصرية تعبر عن الذاكرة والمكان بأسلوب يبتعد عن المباشرة ويدعو للتأمل.

أكاديمية لصناعة المستقبل

أكدت الفوز عزمها تحويل طموحها المستقبلي إلى واقع ملموس عبر تأسيس أكاديمية فنية خاصة تُعنى بتعليم الأسلوب الفني الصحيح. وتوجه الفنانة تركيزها الأول نحو شريحة الأطفال، انطلاقاً من إيمانها العميق بأن الموهبة تولد مع الإنسان وتتطلب رعاية مبكرة لضمان استمراريتها ونضجها.

وأوضحت ابنة الأحساء أن هدف الأكاديمية هو احتضان المواهب الصغيرة التي قد تُطمس مع التقدم في العمر وغياب التوجيه الأكاديمي. وستعمل الأكاديمية على صقل هذه المواهب عبر تعليم أساسيات الرسم بأساليب محفزة تبني ثقة الطفل بنفسه، وتساعده على التعبير الحر عن ذاته، مما يساهم في بناء جيل جديد من الفنانين القادرين على تمثيل المملكة في المحافل الدولية.

تفاصيل من أعمال الفنانة فاطمة الفوز

فلسفة الطيور والقصص المروية

بينت الفوز أن هويتها الفنية تنتمي للمدرستين السريالية والتعبيرية، حيث نجحت في صياغة لغة بصرية خاصة تبتعد تماماً عن المحاكاة الفوتوغرافية للواقع، مفضلة الاعتماد على الخيال الخصب لترجمة الأفكار إلى قصص مروية بالألوان الزيتية.

وكشفت الفنانة عن السر وراء تكرار رمزية «الطائر» في أعمالها، واصفة إياه بالعنصر المركزي الذي تبني من خلاله قصصاً تحاكي الداخل الإنساني. وتجسد هذه الطيور مشاعر متباينة قد تُقرأ كرسائل سلام أو نذير شؤم تبعاً لوعي المتلقي وحالته النفسية، مما يمنح العمل الفني أبعاداً فلسفية عميقة تتجاوز الشكل الظاهري.

المرأة كوعاء إنساني شامل

لفتت التشكيلية إلى أن حضور المرأة في لوحاتها يتجاوز البعد الجندري التقليدي، ليكون وعاءً إنسانياً شاملاً يحتضن كافة المشاعر البشرية. هذا التناول يجعل العمل الفني مساحة مفتوحة للتأويل، يجد فيها الرجل والمرأة على حد سواء انعكاساً لتجاربهم وذكرياتهم، مما يعزز من عالمية الرسالة الفنية التي تقدمها.

«عيون الأحساء».. وثيقة فنية للتاريخ

تطرقت الفنانة إلى لوحتها البارزة «عيون الأحساء» التي انطلقت من «سكتش» أولي لتتحول إلى وثيقة فنية تربط بين امتداد العيون المائية تاريخياً وازدهار النخيل. وتستحضر اللوحة بوابة القيصرية كشاهد معماري على أصالة المكان واستمراريته من الماضي للحاضر، موثقة بذلك العلاقة الأزلية بين الإنسان الأحسائي وأرضه.

وأشارت الفوز إلى أن معرضها الشخصي الأول «على جرح طائر»، الذي احتضنته دار نورة، شكل علامة فارقة في مسيرتها، حيث تمحورت أعماله حول جدلية الطائر والإنسان، مقدمة تجربة بصرية تحاكي الفكر وتدعو الجمهور لطرح الأسئلة بدلاً من الاكتفاء بالمشاهدة العابرة.

حضور إقليمي ومحلي

نوهت الفنانة بسجلها الحافل بالمشاركات، ومنها معارض دولية في مملكة البحرين بالتعاون مع الفنان خليفة شويطر، ومشاركات محلية مع جمعيات الثقافة والفنون في الدمام والأحساء. وقد عززت هذه المشاركات حضورها كصوت فني مؤثر يمزج بين الأصالة والحداثة، ويساهم في إثراء المشهد التشكيلي الخليجي.

واختتمت الفوز حديثها بالتأكيد على أن الفن في منظورها ليس مجرد نقل للواقع، بل هو عملية بناء قصص بصرية تعتمد على البحث في مكنونات النفس البشرية، ودمجها بعناصر الطبيعة لتقديم منتج فني يحترم عقل المتلقي ويستفز خياله، مؤكدة استمرارها في مشروعها الفني لخدمة المجتمع وتطوير الذائقة البصرية.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى