الصوم والمناعة النفسية: دوره في علاج الاكتئاب والقلق برمضان

الصوم: استراتيجية فعالة لدعم الصحة النفسية
يُعد الصوم، وخاصة خلال شهر رمضان المبارك، ممارسة تتجاوز أبعادها الروحانية والجسدية لتصبح استراتيجية غير دوائية فعالة لدعم الصحة النفسية. تؤكد دراسات علمية حديثة وآراء متخصصين أن الصوم يساهم بشكل كبير في بناء ما يُعرف بـ “المناعة النفسية”، وهي القدرة على مواجهة الضغوط والتحديات اليومية بمرونة وثبات. فمن خلال تنظيم الجسد وتهذيب النفس، يفتح الصوم آفاقًا جديدة للتعافي من الاضطرابات النفسية الشائعة مثل الاكتئاب والقلق.
السياق العلمي: دراسات تؤكد التأثير الإيجابي للصوم
على مر السنين، تحول الاهتمام بالصوم من مجرد ممارسة دينية إلى موضوع بحث علمي معمق. فقد أشارت دراسة حديثة نشرتها مجلة “Springer” العلمية إلى أن الصوم في رمضان ساهم في تقليل أعراض الاكتئاب لدى أكثر من 72% من المشاركين، وخفف من مستويات القلق لدى 66%، والتوتر لدى 85%، مع تحسن ملحوظ في الرفاهية النفسية العامة. كما دعمت دراسة أخرى في مجلة “Frontiers” هذه النتائج، موضحة أن المجتمعات التي تمارس الصوم تشهد انخفاضًا في معدلات الاكتئاب والاضطرابات المزاجية خلال شهر رمضان، مع استقرار نسبي في نوبات الغضب، مما يعكس تأثيره الإيجابي على التنظيم العاطفي.
يفسر العلماء هذا التأثير من خلال عدة آليات؛ فالصوم المتقطع يحفز إنتاج بروتين “عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ” (BDNF)، الذي يلعب دورًا حيويًا في حماية الخلايا العصبية وتعزيز وظائف الدماغ، ويعمل كمضاد طبيعي للاكتئاب. بالإضافة إلى ذلك، يعيد الصوم ضبط الساعة البيولوجية للجسم ويحسن من جودة النوم، وهما عاملان أساسيان في استقرار الحالة المزاجية.
رمضان والأجواء الروحانية: بيئة داعمة للمناعة النفسية
يؤكد المستشار النفسي والسلوكي، د. عبده الأسمري، أن شهر رمضان يوفر بيئة فريدة لتعزيز المناعة النفسية. ويوضح في تصريحاته أن الأجواء الروحانية، والانخراط في العبادات مثل الصلاة وقراءة القرآن، والشعور بالانتماء للمجتمع من خلال اللقاءات العائلية والإفطارات الجماعية، كلها عوامل تساهم في ترسيخ مشاعر السكينة والطمأنينة. هذه الحالة من الاستقرار الروحي والاجتماعي ترفع من قدرة الفرد على التكيف مع المتغيرات والمواقف الطارئة، وتحول سلوكه من مجرد رد فعل إلى ممارسة واعية ومدروسة.
ويضيف الأسمري أن الصوم يعلّم الإنسان المرونة النفسية من خلال تدريبه على التعامل مع المؤثرات المفاجئة والمتوقعة. فالامتناع عن الطعام والشراب يعزز قوة الإرادة وضبط النفس، وهي مهارات أساسية لمواجهة مسببات القلق والتوتر في الحياة اليومية. إن هذا التدريب السنوي ينقل السلوك من مرحلة التدرب إلى الممارسة ثم الترسخ، مما يساهم في تطوير الشخصية على المدى الطويل.
تأثير الصوم على السلوك والشخصية
لا يقتصر تأثير الصوم على تحسين المزاج، بل يمتد ليشمل تعديل سمات الشخصية. يشير د. الأسمري إلى أن العبادات المرتبطة برمضان، وما تحمله من قيم ومعانٍ، تساهم في انتقال الشخصية من التشدد إلى اللين واليسر، وتشجع على الاقتداء بأحسن الأخلاق. هذا التحول السلوكي، المقترن بالاستقرار النفسي، هو جوهر مفهوم “المناعة النفسية” الذي يعمل على تطويره، والذي يرتكز على بناء طاقة استباقية وتكيف نفسي وعطاء سلوكي لمواجهة تحديات الحياة بفعالية. ولهذا السبب، يلاحظ انخفاض ملحوظ في معدلات الاضطرابات النفسية في العيادات خلال شهر رمضان، مع تحسن كبير لدى الحالات التي كانت تعاني من أمراض مزمنة.



