اللائحة التنفيذية للجمعيات الأهلية: حوكمة وشفافية ورقابة مالية

في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز بنية القطاع الثالث في المملكة العربية السعودية، وتماشياً مع مستهدفات رؤية 2030 الرامية إلى رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي، اعتمد المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي اللائحة التنفيذية لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية. وتأتي هذه الخطوة لتشكل نقلة نوعية في آليات العمل الأهلي، حيث تضع أطراً تنظيمية دقيقة تضمن الاستدامة المالية والإدارية للكيانات غير الربحية.
تعزيز الحوكمة والشفافية في العمل الأهلي
تستهدف اللائحة الجديدة بشكل مباشر سد الفجوات التنظيمية السابقة من خلال فرض معايير حوكمة صارمة. وقد نصت اللائحة على أن الجمعية العمومية هي السلطة العليا في الجمعية، وقراراتها ملزمة للجميع، مما يعزز من مبدأ المشاركة والرقابة الداخلية. وفي سياق تنظيم التأسيس، وضعت اللائحة شروطاً واضحة للمؤسسين، سواء كانوا أفراداً سعوديين يتمتعون بالأهلية الكاملة وحسن السيرة والسلوك، أو شخصيات اعتبارية ملزمة بتقديم وثائق رسمية سارية المفعول، مما يضمن جدية العمل المؤسسي منذ اللحظة الأولى.
ضوابط مالية صارمة وحماية لأموال الزكاة
أولت اللائحة اهتماماً بالغاً بالجانب المالي، حيث ألزمت الجمعيات بفتح حسابات مستقلة لأموال الزكاة وإنشاء سجلات خاصة بها لضمان صرفها في مصارفها الشرعية. كما فرضت اللائحة تعيين مراجع حسابات خارجي مرخص، وإلزامية الاحتفاظ بالسجلات المالية والمستندات لمدة لا تقل عن عشر سنوات. هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز ثقة المانحين والداعمين، وتوفر بيئة آمنة تمنع الهدر المالي أو سوء الإدارة، مع منح مجلس الإدارة المسؤولية الكاملة عن أموال الجمعية وممتلكاتها.
حظر تعارض المصالح وتنظيم العلاقات الدولية
لضمان نزاهة العمل الرقابي، نصت اللائحة صراحة على حظر عمل موظفي المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي أو المشرفين في الجهات الحكومية داخل الجمعيات والمؤسسات الأهلية بأي صفة كانت، وذلك لمنع أي تعارض في المصالح قد يؤثر على استقلالية القرارات. وعلى الصعيد الخارجي، وضعت اللائحة قيوداً تنظيمية دقيقة تمنع الجمعيات من التعاقد مع جهات دولية أو تلقي تمويل أجنبي إلا بعد الحصول على الموافقات الرسمية اللازمة من المركز والجهات المختصة، وذلك لحماية السيادة الوطنية وضمان توافق الأنشطة مع الأنظمة المحلية.
الأثر المتوقع ومستقبل القطاع
من المتوقع أن تسهم هذه اللائحة في تنقية القطاع من الممارسات غير المهنية، حيث منحت المركز صلاحيات واسعة تصل إلى حل الجمعيات أو عزل مجالس إدارتها في حال ارتكاب مخالفات جسيمة أو عدم مباشرة النشاط. هذا التنظيم الدقيق سيمهد الطريق لبيئة استثمارية واعدة داخل القطاع غير الربحي، حيث أجازت اللائحة للجمعيات الاستثمار وتملك الشركات بعد استيفاء الشروط، مما يعزز من قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستدامة المالية بعيداً عن الاعتماد الكلي على التبرعات، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة المستفيدين والمجتمع ككل.


